تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالشياطين فإن الشيطان يسول للجاهل أمورا محرمة ويزينها بصور باطلة، فهذه

حيلة فسق وحيلة مكر وخديعة كذب؛ فليت هؤلاء حيث وقعوا في هذه القبائح لم

يضيفوا إليها ما هو أقبح منها، فإن العاصي المعترف بمعصيته أخف إثما

وأقل جرما ويجب على من له أمر أن يردع هؤلاء بالتعزيز الشافي والزجر الكافي،

ومن لم يقدر على ذلك فلينههم نهيا كافيا فإن لم يقبلوا وجب الإنكار عليهم بالقلب

كما قال الله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ (الحجر: 3) الآية اه.

وقد وضع ناشر الكتاب في آخره قواعد جميلة منها هذه القاعدة الثابتة، قال:

إذا حقق أصل العلم وعرفت مواده وجرت فروعه ولاحت أصوله كان الفهم فيه

مبذولا بين أهله، فليس المتقدم فيه بأولى من المتأخر وإن كان له فضيلة السبق،

فالعلم حاكم ونظر المتأخر أتم؛ لأنه زائد على المتقدم، والفتح من الله مأمول لكل

أحد، ولله در ابن مالك رحمه الله حيث يقول: إذا كانت هذه العلوم منحا إلهية

ومواهب اختصاصية فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير

من المتقدمين، نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف،

انتهى وهو عجيب) والكتاب مطبوع طبعا حسنا على ورق جيد ومكتوب عليها

(إيليا 1320) فليته بين أهل الطريق فينتفعوا باعتداله.

* * *

(الحال والمآل)

قصة وضعها أحمد حافظ أفندي عوض كما ذكرنا في تقريظ (قصص

مسامرات الشعب) شرح فيها كيفية عشق الفتيان والفتيات أو التلامذة والتلميذات

في مصر، وكيف يغوي بعض البنات المتعلمات بعضا، وقد علمنا أنه لم يذكر إلا

بعض الواقع بالاختصار، القصة أنفع القصص التي ألفت لمكتبة الشعب أو أنفع ما

ألف الشبان المصريون من هذه القصص، وإن كانت في عبارتها دون ما كتب

حافظ من قبل؛ لأنه كان في وجل من طروق هذا الباب الذي يظهر من ورائه سوء

التربية في قومه وفي حذر وانشقاق من عذل العاذلين، ولوم اللائمين، فلم

ينطلق قلمه بحرية تامة وله الفضل إن طرق هذا الباب من أبواب الجد.

موضوع القصة بنت اسمها (أسماء) نشأت - ولا أقول تربت - في حجر

الدلال ثم وضعت في المدرسة فصاحبت فيها بنت أحد الأغنياء من المصريين

المتفرنجين حتى صارت تركب معها أحيانا إلى بيت أبيها فترى فيه الأثاث والرياش

وكيفية المعيشة على الطريقة الإفرنجية فمقتت عادات بيت أبيها الشرقية

وفي هذا المقام إلمام بكيفية الانتقال من العادات الشرقية إلى العادات الغربية في

شئون المعيشة.

امتدت المعاشرة بين البنتين حتى ركبتا يوما للنزهة فلقيهما في الطريق أحد

الشبان المتعلمين الذين قال حافظ في وصفهم (كان مبلغ ما تعلموه من المدارس وما

تلقنوه من دروس الحياة مقصورا على العناية بملابسهم وتنسيق هندامهم ووضع

طرابيشهم المائلة إلى جهة الأذن على شعر لامع مدهون بكذا وكذا.. وياقة مرتفعة

ورباط رقبة فيه دبوس من الماس ولباس - أي سراويل - ضيق وخواتم من الذهب

ومنظار بسلسلة ذهبية وحذاء أصفر رفيع براق) وكان هذا الشاب عشيق الفتاة

المصرية فكاشفت أسماء بعشقهما وسألتها عن العشق ولما عرفت أنها لا تعرفه

نبذتها بلقب المسكنة، ثم أقبل الشاب وصافحهما مسلما ولما اضطربت من الخجل

لأنها لم تتعود ذلك الشاب فقالت لها رفيقتها: (ما لي أراك قد خجلت وهل في

الحديث والتسليم على الشبان عيب؟ إنما العيب أن لا ينظر إلينا أحد ولا ينظر إلى

محاسننا إنسان) ثم رغبتها في قراءة القصص الغرامية وأعطتها واحدة منها ففتنت

أسماء بأخبار العشق والغرام، وشغلت عن الدرس والمنام، فتغير حالها حتى

تنبهت والدتها لذلك التغير وسألتها عن سببه فكذبت في الجواب، قال المؤلف

(وليس الصدق صفة محترمة عندنا معاشر المصريين بل يكاد الإنسان أن لا

يعرف له مزية، بل إن شئت فقل إننا نتعلم الكذب في بيوتنا من آبائنا وأمهاتنا) ثم

إن أسماء تعلمت العشق فعشقت شابا مهذبا.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٩٣