أنفع منه؛ لأنه يأكل ويأكل غيره من عمله بدرس الحنطة، ولكن أكثر الذين يدرسون
العلم عندنا لا يأكلون ولا يأكل أحد من ثمرة دراستهم وهم الذين قال فيهم الشاعر:
ودرس ثورين قد شدا إلى قرن ... أقنى وأنفع من تدريس حبرين
أين أثر علم هؤلاء المتنفجين في التأليف أو العمل؟ أين الأندية والسمار
الأدبية؟ أين الجمعيات العلمية؟ أين الشركات الصناعية؟ أين الأعمال التجارية؟
أين التآليف النافعة في العلوم اللغوية أو العلمية أو الأدبية أو الدينية. أخرت ذكر
الدين؛ لأن أكثر المتعلمين؛ أجهل به من العامة الأميين، ولا يخفى أن الكلام كله في
المجموع لا في عموم الأفراد فإن من التلامذة من يرغب في العلم لفضله ونفعه
ومنهم من أحسن أهله أدبه وتربيته.
فيا معشر المتنفجين بالعلم - وإن كان الجهل خيرا منه - إذا فتنتم بالأوربيات أو
استغنيتم بالسفاح عن الزواج الشرعي أو كنتم ترجئون الاقتران ليظفر أحدكم بامرأة
غنية يتنعم بمالها؛ لأن المدرسة ربته على الترف والكسل معا - فأقسم عليكم بالشرف
الذي تذكرونه، والوطن الذي تتهمونه، بل أقسم عليكم بالله الذي تعبدونه أن لا
تعتذروا عن ذلك بغميزة أخواتكم والإزراء بأمهاتكم! ومن كان منكم يغار على قومه
وبلاده فليجتهد بتربية نفسه ثم تربية الأقرب فالأقرب، واعلموا أنه لو وجد عندنا
تربية وتعليم لوجد عندنا رجال وإذا وجد الرجال توجد النساء كما يريد الرجال
ويوجد المال ويوجد الاستقلال، فالرجال الذي عملوا كل شيء في الماضي وهم الذين
يعملون كل شيء في المستقبل، وخير لهم أن يكون نساؤهم عونا لهم من أن
يكونوا كلا عليهم، والسلام على من علم وعمل.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الاجتماع الخامس لجمعية أم القرى
(في مكة المكرمة يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 1316)
في الوقت المعين من هذا اليوم تكامل الاجتماع واستعدت الهيئة للمذاكرة
والسماع، وقرأ كاتب الجمعية ضبط الجلسة السابقة حسب القاعدة المرعية.
قال (الأستاذ الرئيس) : سنبحث بعد يومين في وضع قانون الجمعية الدائمة
وإني أرى أن نفوض للجنة منا من الذين سبق لهم دخول في جمعيات علمية أو
الذين لم وقوف على مباني الجمعيات القانونية ولا سيما الغربية المعروفة باسم
(أكاديميات) لتنظم لنا هذه اللجنة سانحة قانون نضعها تحت البحث في الجمعية.
وإني أكلف بهذه اللجنة أخانا السيد الفراتي؛ ليقوم بكتابتها وأخانا السعيد
الإنكليزي ليفيد اللجنة عما يعلمه عن الأكاديميات وعن مجربات جمعيات ليفربول
ورأس الرجا وإخواننا العلامة المصري والصاحب الهندي والمدقق التركي وهذا
يرأسهم؛ لأنه أسنهم [1] وهؤلاء أعضاء فهل تستصوب الجمعية ذلك وترى فيه
الكفاية والكفاءة أم تستدرك شيئا.
ثم ابتدر (السعيد الإنكليزي) للمقال مخاطبا الأستاذ الرئيس فقال: إننا
مسلمي (ليفربول) حديثو عهد بالإسلام ولنا إشكالات مهمة تتعلق ببحث اليوم،
أعني بطريقة الاستهداء من الكتاب والسنة؛ لأن أكثرنا قد هدينا والحمد الله إلى
الإسلامية منتقلين إليها من (البروتستانتية) أي الطائفة الإنجيلية لا من الكاثوليك أي
الطائفة التقليدية فنميل طبعا لاتباع الكتاب والسنة فقط، ولا نثق بقول غير معصوم
فيما ندين.
وقد تركنا دين آبائنا وقومنا لنتبع دين محمد نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام
لا لنتبع الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي أو المالكي وإن كانوا ثقاة ناقلين.
ولنا جمعية منتظمة لها شعبتان في أمريكا وجنوب أفريقيا، ونحن راغبون أن
نسعى سعيا حثيثا في الدعوة للدين السامي الإسلامي المبين، والأقوام الذين ندعوهم
غالبهم متمدنون أي أفكارهم متنورة بالعلوم والمعارف وأكبر أملنا معقود بهداية فئتين