الأجنبيات على المحصنات الوطنيات.
لولا هؤلاء المتعلمون لما راج سوق الفحش في مصر، لولا هؤلاء المتعلمون
لما نشأ داء الزهري في البلاد؛ لولا هؤلاء المتعلمون لما فشا السكر في القطر لولا
هؤلاء المتعلمون لما عرف الميسر والقمار في وادي النيل. لولا هؤلاء المتعلمون لما
فتن الناس بزخرف الأثاث والرياش والماعون التي تجلب من أوربا فتذهب بثروة
البلاد. لولا هؤلاء المتعلمون لما خربت تلك البيوت العامرة التي ورثت الثروة
والمجد عن أب وجد، لولا هؤلاء المتعلمون لما انتهكت حرمات الدين وتركت فضائله
وسنته. فبماذا يفتخر هؤلاء المتعلمون المغرورون على البنات الأغرار الجاهلات؟
ولماذا يترفعون عليهن مع أن جهلهن لم يجن على الأمة والبلاد بعض ما جناه علم
أولئك المتبجحين المترفعين.
البنت الجاهلة تتربى في بيت زوجها تربية جديدة؛ لأن العذراء لا تستقر
أخلاقها وعاداتها على شيء إلا بعد الزواج كأنها قبل ذلك ترى كل شيء موقتا غير
ثابت؛ لأنها في طور غير ثابت تنتظر في كل يوم الانتقال إلى الطور الذي بعده
الذي حكمت الفطرة بأن تقضي حياتها فيه؛ وهو كونها زوجا لرجل ثم أما لولد.
فليت شعري كم عدد المتعلمين الذين تزوجوا من هؤليا العذارى واشتغلوا بتربيتهن
ليعيشوا معهن عيشة راضية؟ كم عدد الذين أحصنوا بالزواج فرضوا بأزواجهن
حتى لا يغشون المواخير ولا بيوت السر؟ ويا ليت شعري كم عدد البيوت التي كان
فيها هؤلاء المتعلمون صالحين مصلحين وأزواجهم فاسدات مفسدات؟ أظن بل أوقن
أن الرجال هم الذين يفسدون النساء بسوء المعاملة وقبح السيرة إلا ما جاء على
سبيل الشذوذ. فما بال تلك (الفتاة التعيسة) التي أرادت الدفاع عن أخواتها
التعيسات طفقت تذمهن وتهجوهن في مقالتها التي نشرتها في المؤيد توسلا إلى كلمة
تسترضي بها الشبان في آخرها بأنهم مقصرون وبأن في البنات الآن من المتعلمات
من يليق بهم.
الغميزة الكبرى في تربية بنات مصر هي أنهن يكلمن هؤلاء الشبان
المغرورين ويعاشرنهم، وهذه الفتنة فاشية في المتعلمين والمتعلمات أكثر من فشوها
في الجالهين والجاهلات، والذنب في هذه الغميزة على الشبان فمنهم بدأت الفتنة
وإليهم تعود؛ لأنهم هم الذين يتعرضون لإغواء البنات، وقد حدثني غير واحد منهم
بأنه لا يكاد يوجد تلميذ إلا وله خليلة من البنات. ولكن لا تكاد توجد بنت بدأت شابا
بالمغازلة والمناغاة , فإذا كان هذا حظ شباننا المتعلمين من البنات فماذا ينقمون
عليهن من فساد التربية! أينقم بعضهم على من يحبها أنها لا تحسن الرطانة بلغة
أوربية، كيف وهو أوسع مادة في المسائل التي يكلمها بها بلغته العرفية منه باللغة
الأجنبية؛ لأنهما لا يتكلمان إلا باللغو والهذيان الذي يناسب العشاق الذين لا تربية لهم
ولا تهذيب.
يوهمنا بعض الكتاب أن هؤلاء المتعلمين يود أحدهم أن تكون له زوجة
تعلمت مثلما تعلم تكون حياته معها إنسانية بالمذاكرات العلمية والأدبية لا حيوانية
محضة مقصورة على التمتع البهيمي.
ويا ليت هذا كان صحيحا ولكن يحزننا ويمضنا أنه غير صحيح فإن موضوعات
حوارهم في أنديتهم وسمارهم دون ما يقتضيه علمهم الناقص، كأن فساد التربية
حال بينهم وبين الانتفاع بالعلم. ومن ذا الذي يطلب العلم ليعمل به أو ليكمل؟ كلنا
نعرف علة طلبهم للعلم. هي أخذ الشهادة التي تعدهم لوظائف الحكومة والغرض من
وظائف الحكومة الأكل مع الراحة لما جلبوا عليه من الكسل. نرى أحدهم يجد ويكد
قريحته بالحفظ مدة الدراسة حتى إذا ما نال ورقة الشهادة التي سماها بعض الأوربيين
(جلدة الحمار) قال: ذهب دور التعب والعناء وجاء دور التمتع؛ فيترك البحث
والمذاكرة في كل ما تعلمه إلا إذا كان رزقه منه كالمهندسين والأطباء وقليل ما هم.
إن من يدرس لحاجة كرشه وفرشه كالثور الذي يدرس ليأكل بل ربما كان الثور