تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فسلط الله عليهم الوثنيين فسبوهم وخربوا ديارهم وأحرقوا كتابهم.

ثم إن كاتبا منهم اسمه (عزرا) كتب لهم بعد زمن طويل ما يحفظه من

كتابهم وشريعتهم بإذن الملك الوثني، ومنها الأسفار الخمسة التي يسمونها التوراة،

وهي تحكي عن موسى بضمير الغائب وفيها ذكر وفاته وليس ذلك مما أوحي إليه،

ولولا أن الله أخبرنا في كتابه بأن اليهود نسوا حظا مما ذكروا به لا جميع ما ذكروا

به، ولولا أنه احتج عليهم بعدم العمل بالتوراة؛ والحجة تقوم ببعض كلام الله كما

تقوم به كله - لما صدقنا كلمة واحدة من كتبهم ولا وثقنا بحكم واحد من أحكام

شريعتهم.

وحاصل القول أن الله تعالى لم يجعل التوارة منذ شرعها هداية

عامة مرشدة لجميع البشر إلى كمال الفطرة فكيف تصلح بذلك بعدما طرأ عليها

وعلى الناس ما طرأ.

وأما السيد المسيح عليه السلام فإنه لم يأت بدين جديد، وإنما ديانته اليهودية

وشريعته التوارة ولكنه كان مصلحا؛ لأن اليهود جمدوا على ظواهر الشريعة حتى

صاروا كالماديين فأرسله الله (إلى خراف إسرائيل الضالة) ليهديهم إلى الروحانية

ويبالغ فيها بمقدار ما بالغوا في الظواهر والماديات؛ ليكون ذلك تمهيدا لدين الفطرة

الذي يجمع بين مصالح الروح والجسد.

وأما الديانة البولسية التي انتشرت في أوربا بتعليم بولس ثم مساعدة قسطنطين

ومن بعده من الملوك وإلزامهم الناس إلى إرسال الرسل لهدايتهم إلى سعادة الدنيا

والآخرة بتربية الروح والجسد وليس فيها قاعدة واحدة من قواعد الفطرة وإنما هي

عبارة عن شيء واحد وهو الإيمان بالمسيح على الوجه الذي يقولونه، وأنه لا

حاجة مع هذا الإيمان إلى العمل بالشريعة، والظاهر من نصوص كتب العهد الجديد

أن المسيح خلص العالم كله من العذاب، من آمن به ومن لم يؤمن وإنما يفضل

المؤمن به غيره بأنه يحل فيه روح القدس. قال يعقوب في رسالته: (وليس من

أجل خطايانا فقط بل من أجل عدة قرون يخبطون في دياجير الأوهام والجهالات

حتى دخل عليهم الإصلاح الإسلامي من بلاد الأندلس والشرق كما سنبينه.

***

(م 102) الاستعداد لعموم البعثة:

حاجة الناس إلى الشيء تولد فيهم الاستعداد له فإذا استدللنا بالعلة على

المعلول فالدليل أوضح؛ لأنه ههنا وجودي مشهود لا نظري مستنبط، وهو قبول

الأمم على اختلافها في الأديان واللغات والمواقع هذا الإصلاح الروحي الاجتماعي

الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي الإلهي والإلهام فقد انتشر الإسلام

في المشرق والمغرب بسرعة لم يعرف التاريخ مثلها، حتى كان ملك الإسلام بعد

ثمانين سنة من ظهوره أوسع من ملك الرومان بعد ثمانمائة سنة والرومان أعظم

أمم التاريخ الماضي في الحروب والفتوحات.

هذا هو الإصلاح الذي غير هيئة الأرض وبدل نظام الاجتماع الإنساني في

السياسة والحرب والمدنية والعلوم والآداب على أيدي أمة كانت قبل الإسلام أبعد

عن السياسة والمدنية والنظام والعلوم وهي الأمة العربية.

ألم تر أن نور الهداية الفطرية ما خبا بعد الإسلام من مكان إلا وأومض أو

تألق قي مكان آخر، وأن دعائم العمران ما تداعت في مملكة إلا وشيدت في غيرها

وأن غرس العلم والفلسفة ما ذبل أو تصوح في أرض إلا ونما وترعرع في سواها،

كل ذلك كان ينتقل مع الإسلام فكلما ظهرت قوة الإسلام، والمسلمون في الشرق

والغرب ضعف العلم والعمران والمدنية في العالم، ولكنه لم يذهب من العالم

فيحتاج العالم إلى مصلح آخر يبني له قواعد الاجتماع على أصول العلم الصحيح

وسنن الكون إذ لو حصل لما كان محمد خاتم النبيين.

ولكن تلك القواعد انتقلت من مسلمي الأندلس ومسلمي الشرق إلى

أوربا مع تلامذة ابن رشد وفي الكتب التي أخذها الصليبيون من المسلمين.

من عجيب أمر استعداد العالم لهذا الإصلاح العام سرعة انتقال العلم من قطر

إلى قطر ومن خافق إلى خافق أيام مدنية العرب لأول عهدها مع صعوبة المواصلة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٥٩