تلك الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة وخوف والاضطرابات لفقد الأمن
على الأرواح والأموال.
غمرت مشيئة الرؤساء إرادة من دونهم فعاد هؤلاء كأشباح اللاعب يديرها من
وراء حجاب، ويظنها الناظر إليها من ذوي الألباب، ففقد بذلك الاستقلال الشخصي
وظن أفراد الرعايا لم يخلقوا إلا لخدمة ساداتهم وتوفير لذاتهم كما هو الشأن في
العجماوات مع من يقتنيها. ضلت السادات في عقائدها وأهوائها وغلبتها على الحق
والعدل شهواتها، ولكن بقي لها من قوة الفكر أردأ بقاياها فلم يفارقها الحذر من أن
بصيص النور الإلهي الذي يخالط الفطر الإنسانية قد يفتق الغلف التي أحاطت
بالقلوب، ويخرق الحجب التي أسدلت على العقول، فتهتدي العامة إلى السبيل،
ويثور الجم الغفير على العدد القليل، ولذلك لم يغفل الملوك والرؤساء أن ينشئوا
سحبا من الأوهام، ويهيئوا كسفا من الأباطيل والخرافات ليقذفوا بها في عقول
العامة فيغلظ الحجاب ويعظم الرين ويختنق بذلك نور الفطرة ويتم لهم ما يريدون من
المغلوبين لهم , وصرح الدين بلسان رؤسائه أنه عدو العقل وعدو كل ما يثمره
النظر إلا ما كان تفسيرا لكتاب مقدس.
وكان لهم في المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب، ومدد لا ينفد، هذه كانت
حالة الأقوام في معارفهم، وذلك كان شأنهم في معايشهم: عبيد أزلاء حيارى في
جهالة عمياء، اللهم إلا بعض شوارد من بقايا الحكمة الماضية، والشرائع السابقة
أوت إلى بعض الأذهان ومعها مقت الحاضر، ونقص العلم بالغابر، ثارت الشبهات
على أصول العقائد وفروعها بما انقلب من الوضع، وانعكس من الطبع فكان يرى
الدنس في مظنة الطهارة، والشره حيث تنتظر القناعة، والدعارة حيث ترجى
السلامة والسلام، مع قصور النظر عن معرفة السبب وانصرافه لأول وهلة إلى أن
مصدر كل ذلك هو الدين. فاستولى الاضطراب على المدارك، وذهب بالناس مذهب
الفوضى في العقل والشريعة معا، وظهرت مذاهب الإباحين والدهريين في شعوب
متعددة وكان ذلك ويلا عليها فوق ما رزئت به من سائر الخطوب) .
(وكانت الأمة العربية قبائل متخالفة في النزعات، خاضعة للشهوات، فخر
كل قبيلة في قتال أختها وسفك دماء أبطالها، وسبي نسائها وسلب أموالها، تسوقها
المطامع إلى المعامع، ويزين لها السيئات فساد الاعتقادات، وقد بلغ العرب من
سخافة العقل حدا صنعوا أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها، فلما جاعوا أكلوها،
وبلغوا من تضعضع الأخلاق وهنا قتلوا فيه بناتهم تخلصا من عار حياتهن، أو
تنصلا من نفقات معيشتهن، وبلغ الفحش منهم مبلغا لم يعد للعفاف قيمته، وبالجملة
فكانت ربط النظام الاجتماعي قد تراخت عقدها في كل أمة، وانفصمت عراها عند
كل طائفة) .
(أفلم يكن من رحمة الله بأولئك الأقوام أن يؤدبهم برجل منهم يوحي إليه
رسالته، ويمنحه عنايته ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم، التي
أظلت رءوس جميع الأمم، نعم كان ذلك وله الأمر من قبل ومن بعد) . اه
فعلم مما أورده الأستاذ الإمام أن فساد الأمم كان من فساد رؤساء الدين
ورؤساء الدنيا وهم الملوك والأمراء، وأن قصارى سيرة الفريقين كان محصورا في
إطفاء نور الفطرة الإلهية وهدم ركني السعادة البشرية وهما استقلال الفكر واستقلال
الإرادة.
فإذا قيل: إنه كان في الدنيا دينان سماويان أي دين اليهود ودين النصارى
وكتابان إلهيان وهما التوارة والإنجيل فكان يغني عن بعثة محمد صلى الله تعالى
عليه وسلم إلهام الله تعالى رؤساء الدينين وحملة الكتابين أن يقيما أصولهما ويسيرا
على صراطهما ويدعوا الناس إلى ذلك.
نقول في الجواب: إن دين اليهود كان خاصا بشعب إسرائيل وهم المخاطبون
بالتوراة دون سواهم؛ لعلم الله تعالى أن هذا كتاب يصلح لهدايتهم وحدهم في الزمن
الذي أنزل فيه وبعده إلى أجل مسمى، وبعد ذلك أفسد بنو إسرائيل في الأرض