تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علماء المسلمين وأهل الرأي فيهم. أكثر ما يكتبه الفرنسويون عن الإسلام

والمسلمين يحفظ القلوب ويثير الأحقاد ويخرج الأضعان وكل هذا يحتمل ما دامت

القوة، فإذا عرض عليها ما يضعفها فهناك يحصدون شر ما يزرعون. وليس من

العقل الاغترار بدوام القوة.

الفرنسيون أبعد الناس عن الدين وعن التعصب له، ولكنهم إذا كتبوا عن

الإسلام فإنما ينفثون السموم ويظلون المسلمين بظل من يحموم، إلا ما كان من

فيلسوف حكيم يكتب للعلم لا للسياسة. حكومة الجمهورية ليست مسيحية فتتعصب

على الإسلام لأجل النصرانية، وإنها لتقاوم النصرانية في بلادها كما تقاوم الإسلام

في مستعمراتها، ولكنها تعتقد أن المسلمين قوم حرب وأن دينهم يطالبهم بأن يكونوا

سائدين غير مسودين، وأنهم يتربصون بمن يسودهم الدوائر حتى إذا ما سنحت لهم

الفرصة وثبوا، فسلبوا ونهبوا، وأن السياسة الواقية أن يوضعوا في الأوهاق،

وتغل الأيدي إلى الأعناق، وأن تحجب شمس العلم عن الأنظار، وتحول بين

السماع وما في الإسلام من الأخبار، وأن تراقب الحكومة السائحين، إذا كانوا

مسلمين أو عثمانيين؛ ومن الاعتقاد ما هو ظن و ﴿إن بعض الظن إثم﴾ (الحجرات: 12) ولا شيء يحرج الصدور، ويمض النفوس مثل هذه المعاملة

السوءى؛ لأنها برهان على أن هذه الحكومة تبغض المسلمين، والجاهل لا يعرف

سببا للعداوة والبغضاء إلا الأمر العام وهو الدين؛ لذلك يعتقد الأكثرون في

المستعمرات الفرنسية أن فرنسا تبغض المسلمين؛ لأنهم مسلمون يعبدون الله من

دون المسيح ويؤمنون بمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.

نحن والعقلاء نقول: إن الأمر ليس كذلك، ومثلنا من يقدر على إقناع المسلمين

لأننا من خدمة الدين والعلم فيهم، ولكن هذا الإقناع يتوقف على وصول صوتنا إلى

تلك المسامع وفرنسا لا ترضى بذلك بل ولا ترضى بأن يتعلم المسلمون إلا اللغة

الفرنسية التي تزيد المسلمين بغضا في فرنسا كما صرح بذلك بعض كتباها وذلك

أنهم يرون في الكتب والجرائد الفرنسية الطعن الموجع مصوبا دائما إلى صدور

المسلمين. وفرنسا أقدر منا على إقناع المسلمين بحسن نيتها وسلامة عاقبتها إذا

برهنت عليه بالعمل ولكن يتعذر علهيا إقناع مسلم واحد بالقول وإن أوتيت من سحر

البيان؛ وخلابة اللسان ما لم يؤته إنسان.

فرنسا في شك مريب من أمر مسلمي مستعمراتها لا تدري أيمكن أن تعيش

معهم في وئام وهدوء وسلام، أم ذلك من الأماني والأوهام التي لا تدرك ولا ترام،

ولا شك عندنا نحن في الإمكان، والمرتاب لا يقنعه البرهان، ولكن ربما تقنعه

حوادث الزمان، والمريب يكون دائما في حذر، والظالم لا يمكن أن يأمن الغير ولو

أخلصت فرنسا التنبيه، لعرفت القضية، وبلغت الأمنية.

لو أطلقت فرنسا لأهل الجزائر حرية العلم والدين وحافظت فيهم على أحكام

شريعتهم وآدابها وساعدتهم على ترقي بلادهم وعمرانها وأقامت فيهم العدل وأباحت

لكل أحد أن يمازجهم ويرى ما هم فيه حينئذ من غبطة ونعيم لكانت هذه المعاملة

الحسنى أقوى جاذب يجذب جيرانهم المراكشيين إلى الدخول في حكم الولاية

الجزائرية قبيلا بعد قبيل لا سيما إذا جعلت للولاية حاكما مسلما يصدر الأحكام

الشرعية وينفذها.

قد نعلم أن من الفرنسيين من يسخر من هذا الكلام إذا سمعه متوهما أننا نقوله

خداعا لهم لا عن اعتقاد منا بصحته. ولا يعلم الساخر المفروض أننا أقرب إلى

الشك في كون إحسانهم معاملة المسلمين خيرا للمسلمين منا إلى الشك فيما قلناه، فإن

الظلم والقسوة في المعاملة هي التي تربي الأمم وترجع إليها استعدادها المفقود، أو

تبعث فها استعدادا لم يكن بالموجود، ولقد كانت الحرب الروسية العثمانية أكبر

منبه للمسلمين إلى الحياة الاجتماعية في مشارق الأرض ومغاربها، وإن كانت أكبر

خسارة على المسلمين في الظاهر. وإن ساسة المسلمين وعقلائهم من يعتقد أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٤١