أن الله تعالى قال في اليهود والنصارى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من
دون الله} (التوبة: 31) مع أنه لم يوجد من قبل ولا من بعد من الأحبار والرهبان
من ادعى المماثلة ونازع الله الخالقية أو الإحياء أو الإماتة كما يقتضيه انحصار
معنى الربوبية عند العامة من الإسلام، حسبما تلقوه من مروجي الشرك والإيهام،
بل الأحبار والرهبان إنما شاركوا الله تعالى في التشريع المقدس فقط فقالوا: هذا
حلال وهذا حرام. فقبل منهم أتباعهم ذلك فوصفهم الله بأنهم اتخذوهم أربابا من دون
الله.
ونجد أيضا أن الله تعالى سمى قريشا مشركين مع أنه وصفهم بقوله: {ولئن
سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} (لقمان: 25) أي يخصصون
الخالقية بالله. ووصف توسلهم بالأصنام إلى الله بالعبادة فحكى عنهم قولهم: {ما
نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر: 3) والمعظمة من المسلمين يظنون أن
هذه الدرجة التي هي التوسل ليست من العبادة ولا الشرك ويسمون المتوسل بهم
وسائط ويقولون: إنه لا بد من الواسطة بين العبد وربه (وإن الواسطة لا تنكر) .
ويعلم من ذلك أن مشركي قريش ما عبدوا أصنامهم لذاتها ولا لاعتقادهم فيها
الخالقية والتدبير بل اتخذوها قبلة يعظمونها بندائها والسجود أمامها وذبح القرابين
عندها أو النذر لها على أنها تماثيل رجال صالحين كان لهم قرب من الله تعالى
وشفاعة عنده فيحبون هذه الأعمال الاحترامية منهم فينفعونهم بشفاء مريض أو
إغناء فقير وغير ذلك، وإذا حلفوا بأسمائهم كذبا أو أخلوا في احترام تماثيلهم
فيضرونهم في أنفسهم وأولادهم وأموالهم.
ونجد أيضا أن الله تعالى قال: ﴿فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (الجن: 18)
وأصل معنى الدعاء النداء، ودعا الله: ابتهل إليه بالسؤال واستعان به، والدليل
الكاشف لهذا المعنى هو قوله تعالى: ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون﴾ (الأنعام: 41) وكذلك أنزل الاستعانة به مقرونة بعبادته في قوله جلت كلمته:
﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (الفاتحة: 5) .
وبما ذكر وغيره من الآيات البينات جعل الله هذه الأعمال لقريش شركا به
حتى صرح النبي صلى الله عليه وسلم في الحلف بغير الله أنه شرك فقال:
(من حلف يغير الله فقد كفر وأشرك [1] ) وجعل الله القربان لغيره والإهلال والذبح
على الأنصاب شركا وحرم تسييب السوائب والبحائر لما فيها من ذلك المعنى، وكان
المشركون يحجون لغير بيت الله بقصد زيارة محلات لأصنام يتوهمون أن الحلول
فيها يكون تقربا من الأصنام، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أمته عن مثل ذلك
فقال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد
الأقصى [2] ) . فلا ريب إذن أن هذه الأعمال وأمثالها شرك أو مدرجة للشرك.
(مرحى)
فلينظر الآن هل فشا في الإسلام شيء من هذه الأعمال وأشباهها في الصورة
أو الحكم؟ ومن لا تأخذه في الله لومة لائم لا يرى بدا من التصريح بأن حالة السواد
الأعظم من أهل القبلة في غير جزيرة العرب تشبه حالة المشركين من كل الوجوه
وإن الدين عندهم عاد غريبا كما بدأ كشأن غيرهم من الأمم. فمنهم الذين استبدلوا
بالأصنام القبور فبنوا عليها المساجد والمشاهد وأسرجوا لها السرج وأرخوا عليها
الستور يطوفون حولها مقبلين مستلمين أركانها، ويهتفون بأسماء سكانها في الشدائد
ويذبحون عندها القرابين يهل بها عمدا لغير الله وينذرون لها النذور ويشدون للحج
إليها الرحال ويعلقون بسكانها الآمال، يستنزلون الرحمة بذكرهم وعند قبورهم،
ويترجونهم بإلحاح وخضوع ومراقبة وخشوع أن يتوسطوا لهم في قضاء الحاجات
وقبول الدعوات، وكل ذلك من الحساب والتعظيم لغير الله [3] والخوف والرجاء من
سواه.
ومنهم من استعاضوا عن ألواح التماثيل عند النصارى والمشركين بألواح فيها
أسماء معظميهم مصدرة بالنداء تبركا وذكرا ودعاء يعلقونها على الجدران في بيوتهم