يعتصم الحلم بجنبي حبوتي ... إذا رياح الطيش طارت بالحبي
لا يطبيني طمع مدنس ... إذا استمال طبع أو اطبي
والحلم خير ما اتخذت جنة ... وأنفس الأبراد من بعد التقى
علمه ومعارفه:
نزيد على ما جاء في السيرة الرسمية أن الفقيد درس قوانين الدولة درسا دقيقا،
وكان محيطا بها يكاد يكون حافظا لها وله انتقاد عليها يدل على دقة نظره في علم
الحقوق والشرائع، ولهذا عينته الحكومة في لجنة امتحان المحامين. ولا أعلم أن برز
في فن أو علم مخصوص فاق فيه الأقران ولكنه تلقى ما تلقاه من كل فن يفهم، وعقل
بحيث إذا أراد الاشتغال به عملا أو تأليفا أو تعليما يتسنى له أن ينفع نفعا لا ينظر
من الذين صرفوا فيه أعمارهم. ألا تراه كيف ألف كتابا في طبائع الاستبداد لم
يكتب مثله فيلسوف في الشرق ولا في الغرب فيما نعلم وكما سمعنا من كثيرين لهم
اطلاع واسع في مؤلفات فلاسفة الغرب وكتابه.
على أن الفقيد لم يتعلم شيئا من علوم النفس والأخلاق والسياسة وطبائع الملل
والفلسفة في مدرسة، وإنما عمدته في هذه العلوم ما طالعه فيها من المؤلفات
والجرائد التركية والعربية.
أرأيت عقلا يتصرف هذا التصرف الذي يفوق فيه الحكماء والفلاسفة في علم
لم يأخذه بالتلقي وهو أصعب العلوم البشرية وأعلاها.
كيف يكون أثره لو تربى وتعلم في مدارس منتظمة كمدارس أوربا الجامعة
وكان عنده من مواد العلم ومعرفة الأمة والحكومة بقيمة صاحبه مثلما في أوربا.
وبالجملة إنك لم تكن تذاكره في شيء ولا علم إلا ويشاركك فيه على بصيرة.
عمله ووجهته:
كانت وجهة الفقيد في كل عمل عمله أو حاوله هي المنفعة العامة فأول شيء
ولاه وجهه هو إنشاء جريدة في بلاد لم تكن تعرف الجرائد الأهلية ولم تكن بضاعة
الكتب رائجة فيها ولو كان في بلاده حرية للجرائد لكان في (الشهباء) الأثر
المحمود، ولكن البلاد التي تحكم بالاستبداد كالأرض الموبوءة لا تحيا فيها الجرائد،
ولذلك لم تنجح جريدة من الجريدتين اللتين أنشأهما لأن نفسه الأبية لم تستطع إرضاء
الحكام فيما يكتب. وهكذا كان شأنه في وظائفه: ولي رياسة البلدية فكان أول عمل
عمله للبلدان أن وضع على طرق المدينة من خارجها سلاسل من الحديد تمنع الجمال
التي كانت تسد الطرقات وتمنع المارين من التردد في حوائجهم وجعل لهذه الجمال
التي تحمل إلى البلد ومنه مكانا أو أمكنة مخصوصة، وكانت مصلحة (القبان) قد
حصرت في واحد من الأغنياء يأخذها من البلدية بالالتزام ولا يتجاسر على الزيادة
عليه أحد لتقربه من الرؤساء فلما علم أن الرئيس الجديد لا يصده التقرب إليه عن خدمة المصلحة عرض عليه أربعين ألف قرش أو أكثر يعطيه إياها (رشوة) كل عام في مقابلة سكوته عنه فلم يقبل الفقيد أن يأخذ لنفسه شيئا ولكنه قبل أن يكون المبلغ
إعانة لصندوق البلدية فعلم الوالي بهذه الزيادة في الصندوق وسعى في أن يكون له
سهم منها فأبى عليه الفقيد ذلك فعزله. وهكذا كانت سيرته مع الحكام في كل وظائفه
أو جلها: يتصدى للإصلاح فيصدونه عنه لأجل منفعة مالية أو لتقليل نفوذه فلا
يتم له عمل.
(لها بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>