تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إجلالا وإعظاما وعجزت جيوش العالم عن مجاراتهم ومناظرتهم) .

وفي الصفحة الخامسة كشف السر عن ظهور المصريين بعد ذلك الذل المهين

بمظهر الفاتحين القادرين وهو أن (محمد علي) الذي أدرك بواسع عقله كنوز هذا

الاستعداد في المصريين (لم يترك لليأس سلطانا على نفسه) كأنه يقول إن الأمير

الموجود لم يدرك هذا الاستعداد بعد ظهوره في أكمل مظهر بعمل جده وكان جده رآه

وهو كنز مخفي، وأن هذا يئس من نفسه ومن أمته ولذلك لم يتصد للانتفاع بكنوز

استعدادها الظاهرة. نعم إنه لم يصرح بهذا ولكنه قال في أول الصفحة السابعة أن

من يعرف جيش مصر وأسطولها في زمن محمد علي يظن (أن حادثا استثنائيا محا

أمة إليها تنتهي القوة وأحل محلها أمة عاداها الزمان فلم يترك لها إرادة ولم يلبسها

غير لباس الوهن والاستسلام) فهل أن نفسر هذا الحادث الاستثنائي على رأيه

بغير ما تقدم من عدم معرفة الأمير الحاضر بقوة الأمة المصرية ويأسه من نفسه

ومنها؟ كيف والأمة في أعلى الدرجات؟ وكأنه ذكر الأسطول تعريضا ببيع

البواخر الخديوية على عهد هذا الأمير.

بعد هذا نوهت الخطبة (ص7) بالمعامل والمصانع التي أنشأها محمد علي

في المدائن والقرى، وبالعمال الذين ازدحمت بهم البلاد ولم يذكر لنا من هدم تلك

المعامل، ومن غل أيدي هذه الأمة الحية عن الأعمال بعد ارتقائها فيها، ثم عادت

إلى التنويه بالقوة الحربية والسياسية ففي الصفحة التاسعة أن (محمد علي) أحاط

مصر بسور من القوة والرهبة وجمع شملها بعد أن كانت مفرقة؛ فصارت وطنا

واحدا لأمة واحدة.

وأنه: (وهب مصر عقلا مدبرا وقلبا شاعرا وساعدا شديدا ومجدا تليدا (كذا)

وأنه وهب المصريين وطنا وأمة وحكومة ولسانا، وطبع على قلوبهم وأفئدتهم

محبة الوطن والشهامة والإقدام وحبب إليهم الفتح والنصر ورفع الراية المصرية

على كل صقع ومكان) .

فأين ذهبت هذه المزايا كلها وكيف حل محلها (الوهن والاستسلام) وكيف

هبطت من أعلى مكانة تعرج إليها الأمم إلى أسفل تيهور؟ لا يفهم من الكلام إلا أن

أحفاد ذلك الواهب هم الذين استردوا الموهوب وفرقوا الشمل المجتمع، وحولوا

بسياستهم الشهامة والإقدام إلى ذل ووهن واستسلام، يدل على هذا ما بعده في

الخطبة.

جاء في الصفحة التاسعة عقيب ما تقدم أن حكومة محمد علي كانت (قائمة

على مبادئ ثلاثة لا تدوم دولة بغيرها، ولا تحيا مملكة بدون إحياءها؛ وهي:

أولا: حماية الوطن من اعتداء الاجنبي وسلطته.

ثانيا: ترقية المصري إلى أسمى الوظائف وترشيحه إلى استلام مقاليد

الأمور..

ثالثا: الامتناع عن الدين واجتنابه كل الاجتناب، وظاهر أن أحفاد محمد علي

لم يتمسكوا بهذه المبادئ التي لا تدوم دولة بغيرها فإسماعيل باشا أخذ الدين

بالملايين وهو أساس الاستعباد كما في (ص11) من الخطبة، وتوفيق باشا لم

يسمع شكوى المصريين حتى ضباط العساكر من ترقيته الجراكسة والأتراك

(الدخلاء) في الوظائف السامية وحرمان أبناء الوطن العزيز منها ثم استعان عليهم

بالإنكليز عندما اجتمعت كلمتهم وثاروا يطلبون أحد المبادئ (الثلاثة) التي زعم

حدث السياسة أن (محمد علي) أقام عليها حكومته، وأن إسماعيل باشا وتوفيق

باشا هما اللذان أضاعا البلاد المصرية وأماتاها وهدما دولة جدهما. وفي هذا بيان

لحقية مطالب العرابيين، فلا ندري هل فهم الخطيب من خطبته ما فهمه كل قارئ

أم لا؟ إن كان قاله عن فهم فلم يعلن العرابيين في جريدته؟ وإن كان قاله من غير

فهم فكيف يكن هو مؤلف الخطبة ومنشئها ولا يفهمها! !

وفي الصفحة العاشرة فصل الخطاب في مقابلة الخطبة بين الماضي والحاضر

قال: (مصر اليوم تمتثل الاستسلام للإنكليز، والرضوخ لسلطته، والامتثال

لإرادته، وهي هي التي ردته عن الديار تحت إمارة محمد علي وفي ظل رايته)

ثم أثنى على الأمة المصرية بغلب الإنكليز ما أثنى، وذكر أن إنكلترا (أرادت أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١١٣