تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوضح ذلك أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم كان إذا قسم يعطي الآهل

حظين، والعزب حظا، وقال: (ثلاثة حق على الله عونهم) وذكر منهم الناكح يريد

العفاف. ومصححو هذا الشرط عكسوا مقصوده فقالوا نعطيه ما دام عزبا، فإذا

تزوج لم يستحق شيئا ولا يحل لنا أن نعينه؛ لأنه ترك القيام بشرط الواقف وإن

كان قد فعل ما هو أحب إلى الله ورسوله فالوفاء بشرط الواقف المتضمن لترك

الواجب أو السنة المقدمة على فضل الصوم والصلاة لا تحل مخالفته، ومن خالفه كان

عاصيا آثما حتى إذا خالف الأحب إلى الله ورسوله والأرضى له كان بارا مثابا قائما

بالواجب عليه؟

يوضح بطلان هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع الله ورسوله

أنكم قلتم: كل شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل حتى أبطلتم بذلك شرط دار

الزوجة أو بلدها وأبطلتم اشتراط البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة وأبطلتم اشتراط

الخيار فوق ثلاثة وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع ونحو ذلك من الشروط التي

صححها النص والآثار من الصحابة والقياس كما صحح عمر بن الخطاب وسعد بن

أبي وقاص وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان اشتراط المرأة دارها أو بلدها

وأن لا يتزوج عليها ودلت السنة على أن الوفاء به أحق من الوفاء بكل شرط وكما

صححت السنة اشترط انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة فأبطلتم ذلك، وقلتم: يخالف

مقتضى العقد وصححتم الشروط المخالفة بمقتضى عقد الواقف لعقد الوقف؛ إذ هو

عقد قربة مقتضاه التقرب إلى الله تعالى، ولا ريب أن شرط ما يخالف القربة

يناقضه مناقضة صريحة، فإذا شرط عليه الصلاة في مكان لا يصلي فيه إلا هو

وحده أو واحد بعد واحد أو اثنان فعدوله عن الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجتمع

فيه جماعة المسلمين مع قدمه وكثرة جماعته فيتعداه إلى مكان أقل جماعة وأنقص فضيلة وأقل أجرا اتباعا لشرط الواقف المخالف لمقتضى عقد الوقف خروج من محض القياس وبالله التوفيق.

يوضحه أن المسلمين مجمعون على أن عبادة الله في المسجد من الذكر

والصلاة وقراءة القرآن أفضل منها عند المقابر فإذا منعتم فعلها في بيوت الله

سبحانه وأوجبتم على الموقوف عليه فعلها بين المقابر إن أراد أن يتناول الوقف

وإلا كان تناوله حراما كنتم قد ألزمتوه بترك الأحب إلى الله الأنفع للعبد والعدول

إلى بعض المفضول والمنهي عنه (أي كالصلاة إلى القبور أو بقربها) مع مخالفته

لقصد الشارع تفصيلا وقصد الواقف إجمالا فإنه إنما يقصد الأرضى لله والأحب إليه

ولما كان في ظنه أن هذا إرضاء لله اشترطه فنحن نظرنا إلى مقصوده ومقصود

الشارع وأنتم نظرتم إلى مجرد لفظه سواء وافق رضا الله ورسوله مقصوده في

نفسه أو لا.

ثم لا يمكنكم طرد ذلك أبدا فإنه لو شرط أن يصلي وحده حتى لا يخالط

الناس بل يتوفر على الخلوة والذكر أو شرط ألا يشتغل بالعلم والفقه ليتوفر على

قراءة القرآن وصلاة الليل وصيام النهار أو شرط على الفقهاء أن لا يجاهدوا في

سبيل الله ولا يصوموا تطوعا ولا يصلوا النوافل وأمثال ذلك، فهل يمكنكم تصحيح

هذه الشروط. فإن أبطلتموها ففعل النكاح أفضل من بعضها أو مساو له في أصل

القربة وفعل الصلاة في المسجد الأعظم العتيق الأكثر جماعة أفضل، وذكر الله

وقراءة القرآن في المسجد أفضل منها بين القبور.

فكيف تلزمون بهذه الشروط المفضولة وتبطلون ذلك؟ فما هو الفارق

بين ما يصح من الشروط وما لا يصح ثم لو شرط المبيت في المكان الموقوف ولم

يشترط التعزب فأبحتهم له التزوج فطالبته الزوجة بحقها من المبيت وطالبتموه بشرط

الواقف منه فكيف تقسموها بينهما أم ماذا تقدمون، أما أوجبه الله ورسوله من المبيت

والقسم للزوجة مع ما فيه من مصلحة الزوجين وصيانة المرأة وحفظها وحصول

الإيواء المطلوب من النكاح؟ أم ما شرطه الواقف وتجعلون شرطه أحق والوفاء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٠٢