تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المصرف لا يقرب إلى الله عز وجل أو إن غيره أفضل منه وأحب إلى الله منه وأعظم

أجرا لبادر إليه.

ولا ريب أن العاقل إذا قيل له: إذا بذلت مالك في مقابلة هذا الشرط حصل لك

أجر واحد، وإن تركته حصل لك أجران فإنه يختار ما فيه الأجر الزائد فكيف إذا

قيل له إن هذا لا أجر فيه ألبتة؟ فكيف إذا قيل له: إنه مخالف لمقصود الشارع

مضاد له يكرهه الله ورسوله. وهذا كشرط العزوبية وترك النكاح فإنه شرط لترك

واجب أو سنة أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنة دون الصلاة والصوم.

فكيف يلزم الوفاء بشرط ترك الواجب والسنن اتباعا لشرط الواقف وترك شرط

الله ورسوله الذي قضاؤه أحق وشرطه أوثق.

(يوضحه أنه لو شرط في وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء وكان

شرطا باطلا عند جمهور الفقهاء، قال أبو المعالي الجويني - هو إمام الحرمين

رضي الله عنه -: ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان. هذا مع أن وصف الغنى

وصف مباح ونعمة من الله، وصاحبه إذا كان شاكرا فهو أفضل من الفقير مع صبره

عند طائفة كثيرة من الفقهاء والصوفية فكيف يلغى هذا الشرط ويصح الترهب في

الإسلام الذي أبطله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (لا رهبانية في الإسلام)

يوضحه أن من شرط التعزب فإنما قصد أن تركه [1] أفضل واجب إلى الله فقصد أن

يتعبد الموقوف عليه بتركه، وهذا هو الذي تبرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه

بعينه (فقال: من رغب عن سنتي فليس مني) وكان قصد أولئك الصحابة [2] هو

قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء فإنهم قصدوا ترفية [3] أنفسهم على العبادة وترك

النكاح الذي يشغلهم تقربا إلى الله بتركه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ما

قال وأخبر أن من رغب عن سنته فليس منه. وهذا في غاية الظهور فكيف يحل

الإلزام بترك شيء قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من رغب عنه فليس

منه؟ هذا مما لا تحتمله الشريعة بوجه [4] .

فالصواب الذي لا تسوغ الشريعة غيره عرض شروط الواقفين على كتاب

الله سبحانه وعلى شرطه فما وافق كتابه وشرطه فهو صحيح وما خالفه كان شرطا

باطلا مردودا ولو كان مئة شرط وليس ذلك بأعظم من رد حكم الحاكم إذا خالف حكم

الله ورسوله ومن رد فتوى المفتي. وقد نص الله سبحانه على رد وصية الجنف (وفي

نسخة الحائف وكلاهما بمعني الجائر في وصيته والآثم فيها) مع أن الوصية تصح في

غير قربة وهي أوسع من الوقف وقد صرح صاحب الشرع برد كل عمل ليس عليه

أمره فهذا الشرط مردود بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحل لأحد أن يقبله

ويعتبره ويصححه.

ثم كيف يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما أخرج الواقف ماله لمن قام بها

وإن لم تكن قربة ولا للواقفين فيها غرض صحيح مما يقربهم إلى الله ولا يوجبون

الوفاء بالشروط التي إنما بذلت المرأة بضعها للزوج بشرط وفائه لها بها ولها فيها أصح غرض ومقصود وهي أحق من كل شرط يجب الوفاء بنص رسوله الله صلى

الله عليه وآله وسلم، وهل هذا إلا خروج عن محض القياس والسنة.

ثم من العجب العجاب قول من يقول: إن شروط الواقف كنصوص الشارع.

ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول ونعتذر إليه سبحانه مما جاء به قائله ولا نعدل

بنصوص الشارع غيرها أبدا. وإن أحسن الظن بقائل هذا القول حمل كلامه على

أنها كنصوص الشارع في الدلالة وتخصيص عامها بخاصها وحمل مطلقها على

مقيدها واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها، وأما أن تكون كنصوصه في وجوب

الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منها فلا يظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم. فإذا كان

حكم الحاكم ليس كنص الشارع بل يرد ما خالف حكم الله ورسوله صلى الله عليه

وآله وسلم من ذلك. فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال. فقد

ظهر تناقضهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات وخروجهم عن موجب القياس

الصحيح والسنة وبالله التوفيق.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٠١