تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الموت، موصول الحياة إلى الأخرى

المعنى: أنك قدمت حياتك وضحيت بها فعصمت من الموت، لأنك بعد أن مت صرت حيا فوصلت حياتك في الدنيا بحياتك في الآخرة، وهبت الحياة فوصلت الحياة.

والشهادة على العبد يوم القيامة لا تنتهي عند هذا الحد، فبعد أن شهدت عليه الملائكة بالكتاب الذي سطروه، وشهد عليه الأنبياء والشهداء ننقل الشهادة إلى ذاتك أنت، فهذا تدرج في الشهادة من الملائكة وهم من جنس غير جنسك، إلى الأنبياء والشهداء وهم من جنسك، إلى جوارحك وهي قطعة منك:

اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون

[يس: 65]. وقال سبحانه:

يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون

[النور: 24]. وقال تعالى:

حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون

[فصلت: 20-21]. لكن كيف تشهد الأعضاء والجوارح على صاحبها وكانت في الدنيا هي أداة الفعل، فاللسان هو الذي قال، واليد هي التي بطشت، والرجل هي التي سعت.. إلخ؟ قالوا: لأن الله تعالى خلق لعبده الجوارح وسخرها لمراده، وأمرها أن تطيعه فيما يريد، فاللسان مسخر لخدمة صاحبه إن أراد أن يقول لا إله إلا الله قالها. وإن أراد أن ينطق بكلمة الكفر نطق بها، وهكذا بقية الجوارح. إذن: طالما الإنسان في الدنيا فالولاية على الجوارح لمراد الإنسان المخير، والجوارح تابعة لمراده، فإذا ما بعثنا وعرضنا على الخالق سبحانه انحلت هذه الإرادة وسلبت فلا إرادة لأحد إلا لله

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16] وعندها تتحرر الأعضاء وتقف موقف الشاهد الصدق. وقوله تعالى: ﴿ وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ﴾ [الزمر: 69] أي: قضى الله بين الناس وأهل المشهد وحكم بين الخلائق، والذي يقضي هو الله. إذن: فهو قضاء بالحق لا يظلم فيه أحد، فليس لأحد في هذا اليوم إرادة، وليس لأحد حكم ولا هوى، إنما الأمر كله لله إن شاء اقتص للمظلوم من الظالم، وإن شاء أرضى المظلوم وعفا عن الظالم. ثم يقول سبحانه: ﴿ ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ﴾ [الزمر: 70] أي: يجازيها بما عملت إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهذه الآية وقف عندها المستشرقون يتهمون سياقها بعدم التناسق، فالتناسق في نظرهم أن نقول: ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يعملون. وهم يقولون ذلك لأنهم لا يدركون الفرق بين الفعل والعمل، فالفعل مقابل القول، فاللسان وحده له مهمة القول وباقي الجوارح تفعل، العين ترى، والأذن تسمع، واليد تبطش، والرجل تسعى.. إلخ. كل جارحة لها مهمة وهذه كلها أفعال، أما العمل فيشمل القول والفعل، كل منهما يسمى عملا، لذلك يقول تعالى:

يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون

[الصف: 2]. لكن لماذا خص اللسان بالشطر وباقي الجوارح بالشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول يتم به البلاغ والتبليغ، فاستحق أن يكون عمدة الجوارح. فما نتيجة هذه التوفية للأعمال؟ نتيجة توفية الأعمال أن تنال كل نفس ما تستحقه على عملها في الدنيا، لذلك بعد أن تتم التوفية ويتم الحساب يساق أهل الإيمان إلى الجنة، ويساق أهل الكفر إلى النار: ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٢٧