تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار

[النور: 36-37]. إذن: خذ النور المعنوي من بيوت الله ففيها تلتقي بالله تعالى، فهذا اللقاء يضفي عليك نورا من نور الله يملأ قلبك ويهدي جوارحك ويصلحك، وبين سبحانه أن نور القيم أعلى من نور المادة، بدليل أن الإنسان حين يكون مكفوف البصر يمكنه أن يمشي وأن يزاول أعماله في الدنيا، أما فاقد النور المعنوي، أو أعمى البصيرة كما يقولون فلا يمكن أبدا أن يوفق في حركته للصواب لذلك قال تعالى في ختام آية:

الله نور السموت والأرض..

[النور: 35] قال:

نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء..

[النور: 35]. وبعد أن أشرقت الأرض بنور ربها ﴿ ووضع الكتاب.. ﴾ [الزمر: 69] وفي موضع آخر جاء تفصيل وشرح ذلك، فقال سبحانه:

ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا

[الكهف: 49]. هكذا فصل الحق سبحانه ما أجمل في ﴿ ووضع الكتاب.. ﴾ [الزمر: 69] ومعلوم أن آيات القرآن الكريم تفسر بعضها بعضا، والكتاب هنا كتاب خاص بكل إنسان على حدة، كما قال سبحانه:

وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

[الإسراء: 13-14]. وهذا الكتاب الذي يحصي عليك أعمالك كتاب صدق، لأن كاتبه ملك موكل بك

كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون

[الانفطار: 11-12] وقال:

ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

[ق: 18]. فهذا الكتاب ليس في علم الله فحسب لأن علم الله كلام من عنده، إنما هذا كتاب بمعنى أنه مكتوب مقروء يقرؤه صاحبه ويطلع عليه، فيرى فيه عمله الصالح والطالح لذلك ساعة يراه المجرمون يرتعدون خوفا لأنه أحصى عليهم إجرامهم، ولم يترك منه كبيرة ولا صغيرة، عندها لا يملكون إلا أن يدعوا على أنفسهم بالويل والثبور. وبعد أن يأخذ كل كتابه يأتي الله بالرسل ﴿ وجيء بالنبيين والشهدآء.. ﴾ [الزمر: 69] ليشهد كل نبي أنه بلغ أمته، يقول تعالى:

يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم..

[المائدة: 109]. وبعد أن يشهد الرسل يشهد الشهداء وهم من حملوا العلم بعد الرسل، كما ورد: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ". فهؤلاء العلماء أيضا يشهدون أنهم بلغوا غيرهم لذلك امتازت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعلمائها، لأنهم امتداد لرسالته صلى الله عليه وسلم، لذلك فخيريتنا على الأمم بهذه المسألة. ويشهد أيضا الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وهؤلاء يشهدون أيضا لمكانتهم عند الله، هذه المكانة التي نالوها بالشهادة، ويكفي أن الشهيد يدخل المعركة وهو يعرف أنه إن هزم سيقتل، فهو يتقدم إما للنصر وإما للشهادة، فهو يعلم أنه سيدفع حياته ثمنا، ولولا أنه واثق كل الثقة بما وعده الله من الجزاء ما خرج. لذلك قال تعالى عن الشهداء:

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون

[آل عمران: 169]. وعجيب أن نسمع من يقول على سبيل الإنكار: يعني لو أخرجنا الشهيد من قبره سنجده حيا؟ نقول: اقرأ الآية وتدبر معناها، فالله يقول:

أحياء عند ربهم..

[آل عمران: 169] لا عندك أنت، بدليل أنه جاء بعدها بمادة الطلب للحياة فقال: يرزقون ذلك لأن الشهيد لما ضحى بحياته ضمن له ربه حياة أخرى أفضل وأعظم وأبقى مما كان فيها في الدنيا لذلك قال الشاعر في حق سيدنا حمزة سيد الشهداء:

أحمزة عم المصطفى أنت سيد

على شهداء الأرض أجمعهم طرا

وحسبك من تلك الشهادة عصمة

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٢٦