تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك تأمل قوله سبحانه:

إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72]. فمن الخطأ أن نقول: إن الإنسان وحده هو المخير، إنما الكون كله مخير أمام الحق سبحانه، لكن الفرق بين اختيار السماوات والأرض واختيار الإنسان أن السماوات والأرض لما خيرت اختارت أن تتنازل عن مرادها لمراد خالقها سبحانه، فهي اختارت بالفعل، اختارت ألا تكون مختارة، وأن تكون مقهورة لمراد ربها، أما الإنسان فقبل الأمانة واختار أن يكون مختارا أمام خيارات متعددة. وسبق أن أوضحنا الفرق بين تحمل الأمانة وأداء الأمانة، وأن العبد قد يضمن نفسه عند التحمل، لكن لا يضمن نفسه عند الأداء، فهي إذن أمر ثقيل، لذلك وصف الحق سبحانه الإنسان في تحمله وتعرضه للأمانة بأنه ظلوم وجهول. إذن: إياك أن تدخل في متاهة فتفهم قوله تعالى: ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ [الزمر: 62] على غير وجهه، فتقول: خالق كفر الكافر وعصيان العاصي، فلماذا يعذبهم؟ لأن الكافر هو الذي اختار الكفر ووجه طاقة الله لغير ما أراد الله، والعاصي كذلك وجه طاقة الله إلى خلاف ما أمر به الله. وهناك من يقول في ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ [الزمر: 62] أن الكلية هنا إضافية، كما في قوله تعالى في قصة بلقيس:

وأوتيت من كل شيء

[النمل: 23] يعني: لم تؤت بكل شيء فمن هنا للتبعيض، والمعنى: أنهم يريدون أن يخرجوا فعل العباد من هذه المسألة، وهذا لا يجوز. وقوله تعالى: ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ [الزمر: 62] خبر أخبر به الحق سبحانه يحتمل ويحتمل، لكن أدلة صدق هذا الخبر نشأت حتى من الكافرين بالله، كما قال سبحانه:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله

[الزخرف: 87]. وقال سبحانه وتعالى:

ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله

[لقمان: 25]. إذن: فالظرف والمكان والمكين من خلق الله، والله قد أخبر هذا الخبر وبلغه رسول الله، وفي القوم من جحدوا الله وأنكروه وادعوا له شركاء، ومع ذلك لم ينقض أحد هذه الدعوى ولم يقل أحد: إني خالق هذا الكون. والدعوى تسلم لصاحبها ما لم يقم لها معارض، ومعلوم أن الإنسان يدعي ما ليس له، فلو كان له شيء من الخلق ما سكت عنه. ثم إن الإنسان طرأ على هذا الكون، فوجده كما هو الآن بسمائه وأرضه، فكيف يدعي أنه خالقه وهو أقدم منه، بل وخلقه أعظم من خلقه

لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون

[غافر: 57]. فإذا ما جاءنا رسول نعلم صدقه يخبرنا بأن لهذا الكون خالقا صفته كذا وكذا كان يجب علينا أن نرهف له الآذان لنسمع حل هذا اللغز، ومثلنا لذلك برجل انقطع في صحراء مهلكة حتى شارف على الموت وفجأة وجد مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، بالله ماذا يفعل قبل أن تمتد يده إلى الطعام؟ إنه لا بد أن يسأل نفسه: من أين جاءت هذه المائدة؟ إذن: ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ [الزمر: 62] خبر عليه دليل من الوجود، ودليل من المعاندين للخالق سبحانه، والحقيقة أنهم لا يعاندون الحق من أجل مسألة الخلق، إنما يعاندونه اعتراضا على شرعه وأحكامه، لأن هذه الأحكام ستقيد نفوسهم فلا تنطلق في شهواتها، والإيمان له تبعات ووراءه حساب وعقاب وجزاء، وإلا لماذا عبدوا الأصنام؟ عبدوها لأنها آلهة لا منهج لها ولا تكاليف، فهي ترضي فطرة التدين عندهم بأن يكون له معبود يعبده، وما أجمل أن يكون هذا المعبود لا أمر له ولا نهي ولا تكاليف. إذن: قولهم:

ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى

[الزمر: 3] لفظ العبادة هنا لفظ خاطئ، لأن معنى العبادة: طاعة العابد لأمر معبوده ونهيه، وهذه الأصنام ليس لها أمر ولا نهي. وقوله سبحانه: ﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ [الزمر: 62] الوكيل: هو الذي توكله أنت في العمل الذي لا تقدر عليه كما في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - لما قال له قومه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١١٤