تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما سمع وحشي هذا الكلام أسلم، فما منعه من الإسلام إلا الخوف مما فعل، فإذا كان أمر المغفرة على هذا النحو فلماذا لم يسلم، وقد ضمن له ربه المغفرة؟ إذن: الآية سابقة على هذه القصة، ولم تنزل في شأنه خاصة إنما نزلت قبله، لكنها قيلت له وقرئت عليه، فكانت سببا في إسلامه. وكلمة ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ [الزمر: 53] قصرت المغفرة والرحمة عليه سبحانه وتعالى، لأن كل ذنب من الذنوب حق لله تعالى، وما دام الذنب حقا من حقوق الله فهو وحده الذي يملك أن يغفره وأن يرحم صاحبه، وله سبحانه أن يؤاخذ ويعاقب، لأن له سبحانه طلاقة القدرة، وليس معه سبحانه إله آخر يعترض عليه. وهذا المعنى واضح في قصة سيدنا عيسى عليه السلام في قوله تعالى:

وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

[المائدة: 116-118]. نلحظ هنا في تذييل هذه الآية أنه لم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم فهو المناسب للمغفرة إنما قال:

فإنك أنت العزيز الحكيم

[المائدة: 118] فقوله العزيز الحكيم دل على أن عيسى عليه السلام يرى أنهم يجب أن يجازوا في هذه الفرية، ولكن الحق سبحانه له طلاقة القدرة في أن يغفر أو يعذب، ولو كان له سبحانه شريك في هذه المسألة ما قال ذلك، إنما هو سبحانه عزيز حكيم لا يعقب أحد على ما تصرف فيه، فهو سبحانه الذي يغفر لهم لا لأنه غفور رحيم، إنما هم يستحقون العقوبة، وإذا غفر الله لهم فلأنه عزيز حكيم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٠٥