تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أهديت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصدقت بها السيدة عائشة ولم تبق منها إلا كتفها، فلما سألها رسول الله: " ماذا صنعت بالشاة "؟ قالت: كلها ذهب إلا كتفها - وكان صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة الكتف - فقال صلى الله عليه وسلم: " بل بقيت كلها إلا كتفها ".

إذن: الباقي هو ما تصدقنا به، والذاهب ما أكلناه، ويؤيد هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث:

" يا ابن آدم، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت ".

ثم يفتح الحق سبحانه طاقة الأمل لمن أسرف على نفسه، فيقول لهم: ﴿ لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ [الزمر: 53] القنوط هو اليأس من رحمة الله، لكن لماذا نيأس من رحمة الله؟ قالوا: لأنهم أسرفوا على أنفسهم وبالغوا في المعصية وتمادوا فيها، وحين يعود المسرف ويرجع يلوم نفسه ويؤنبها وتعظم ذنوبه في نظره، ولا يرى نفسه أهلا للمغفرة ولا للرحمة فيداخله اليأس والعياذ بالله. والمتأمل يجد هذا اللوم للنفس وهذا اليأس من الرحمة هو من جهة أخرى ظاهرة صحية في الإيمان، لأن استعظام الذنوب وكون المسرف لا يرى نفسه أهلا للرحمة، هذا يدل على سلامة إيمانه وعلى خوفه من ربه.

قوله سبحانه: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾ [الزمر: 53]. قال عنها ابن عباس أنها أرجى آية في كتاب الله لأنها تعطي الأمل لكل مذنب مهما كانت ذنوبه. ولولا أن الله تعالى أعقبها بقوله: ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ [الزمر: 54] لأورثت الناس التهاون وأطمعتهم في رحمة الله طمعا ينسيهم عذابه ونقمته، فالمؤمن يتقلب في حركة حياته بين الخوف والرجاء، ولا بد له منهما معا. نعم ربك غفور رحيم، لكن لا بد لكي تكون موضعا لهذه الرحمة ومتعلقا لهذه المغفرة، لا بد أن تنيب إلى الله، وأن ترجع إليه رجوعا صادقا مخلصا، لأن الذي يذنب ويتوب، ثم يذنب ويتوب كالمستهزئ بربه، نعوذ بالله من هذا. لما قال ابن عباس عن هذه الآية أنها أرجى آية في كتاب الله قال أحد جلسائه: وأنا أرى أن أرجى آية في كتاب الله هي قوله تعالى

وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم

[الرعد: 6] وأنا أنتقد العلماء الذين يفسرون

على ظلمهم

[الرعد: 6] بمعنى: مع ظلمهم، وهذا لا يستقيم، ومعنى الآية بحيث نقول عنها أنها أرجى آية في كتاب الله، ونلاحظ هنا أن مع حرفان أما على فثلاثة حروف، فلا بد أن المعنى الذي تؤديه على لا تؤديه مع، لأنه ما دامت هنا مغفرة للذنب، والذنب يتطلب صفة القهار والجبار والمنتقم، لكن مغفرة الله تعلو على الذنب فتمحوه، وهذا المعنى لا تؤديه مع. وهنا وقفة للمستشرقين الذين يحاولون النيل من أسلوب القرآن، وقد رأوا تعارضا بين قوله تعالى هنا: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾ [الزمر: 53] وبين قوله سبحانه:

إن الله لا يغفر أن يشرك به

[النساء: 48]. ونقول لهؤلاء: جهلكم بلغة القرآن ومعطيات الأسلوب أوقعتكم في هذا الخطأ، لأن الذنب يعني ارتكاب جرم جرمه الله وجعل له عقوبة، والشرك بالله ليس ذنبا بهذا المعنى، لأن الشرك يخرج صاحبه من الملة أصلا، وعليه فليس بين الآيتين تعارض كما تظنون. قالوا: نزلت هذه الآية: ﴿ قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.. ﴾ [الزمر: 53] نزلت في شأن وحشي قاتل سيدنا حمزة في أحد لما أخذت هند كبد سيدنا حمزة ولاكتها. ونقول: لقد قتل حمزة في أحد ولم يسلم وحشي بعدها، إنما أسلم بعد فترة طويلة، لذلك قال الذين يريدون أن يوفقوا بين الأقوال: لعل وحشيا لما قتل حمزة وتذكر مكانته في الإسلام، وأنه أسد الله قنط من رحمة الله، وهذا القنوط قد يدعوه إلى المزيد من الشر والفجور، وقابله أحد الصالحين وقال له: لا تقنط من رحمة الله، فقد قال الله تعالى: ﴿ قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾ [الزمر: 53].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٠٤