تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات..

[محمد: 15]. من عجيب أمر هذه الأنهار أنها أنهار بلا شطآن، فهي تجري بما فيها من ماء أو لبن أو خمر أو عسل، ومع ذلك لا يختلط بعضها ببعض، وهذا أمر عجيب نضعه تحت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فالحق سبحانه حين يعطينا المثل للجنة ينفي عنه المضار الموجودة لمثله في الدنيا، فآفة الماء في الدنيا أن يأسن، يعني: يتغير فلا يصلح بعد ذلك للشرب، أما ماء الآخرة فغير آسن، لأنه ماء جار في أنهار، وجريان الماء يحفظه أن يأسن، كذلك في اللبن ووصف العسل بأنه مصفى، لأن عسل الدنيا لا يخلو من الشوائب. أما خمر الآخرة فهذه لذة للشاربين، يتلذذ بها شاربها، ويرتشفها رشفا للذة طعمها، أما في الدنيا والعياذ بالله فيسكبها في فمه هكذا دفعة واحدة، لأنها كريهة الطعم، كريهة الرائحة. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في وصف نعيم الجنة:

في سدر مخضود

[الواقعة: 28] وشجرة السدر شجرة معروفة عند العربي، وكانت تعد من فاكهتهم ومن الأشياء الغالية عندهم، لكن آفتها ما فيها من شوك يؤذي الآكل منها، فنفي الحق سبحانه عن سدر الآخرة هذه الآفة، وقال:

في سدر مخضود

[الواقعة: 28] أي: مقطوع ومنزوع الشوك لا يؤذي من يتناول ثماره. إذن: الحق - سبحانه وتعالى - حين يقول في وصف الجنة: ﴿ لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ﴾ [الزمر: 20] لا تتعجب من كيفية بناء غرف فوقها غرف والماء يجري من تحتها لأن لله تعالى هندسة خاصة تدخل تحت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهي أشياء لا تدل عليها ألفاظ لغتنا. لكن هناك أشياء أخرى لا اختلاف فيها، مثل: أباريق وأكواب وكأس ونمارق وزرابي وأرائك، هذه من نعم الله في الجنة وموجودة أيضا في الدنيا لكن مع الفارق، فهذه صنعة البشر للبشر، وهذه صنعة خالق البشر للبشر. لذلك لما ذهبنا إلى سان فرانسيسكو ورأينا هناك فندقا فخما على ربوة عالية، ووجدنا فيه كل وسائل الراحة والرفاهية أعجب الجميع به، فقلت لهم: تعجبون من هذا وهو صنعة البشر للبشر، فما بالكم بصنعة الحق للخلق؟ وهذه المسألة تلفت أنظارنا وتوجهنا إلى نعيم الآخرة، فساعة ترى نعيم الدنيا، وساعة ترى الشيء الجميل المبهر لا تحقد على صاحبه ولا تحسده عليه، بل تذكر به نعيم الله الذي أعده لعباده في الآخرة، فكأن الله تعالى بنعيم الدنيا يرغبنا في نعيم الآخرة. وهذا الذي ذكرنا من جزاء المتقين ﴿ وعد الله لا يخلف الله الميعاد ﴾ [الزمر: 20] الوعد: هو الإخبار بشيء مفرح سار قبل أوانه، وكونك تخبر بالأمر السار قبل أوانه، فهذا يغري بالعمل للوصول إلى هذا الوعد، ومقابل الوعد الوعيد وهو الإخبار بشيء مؤلم قبل أوانه، والهدف منه التحذير حتى لا تقع في أسبابه، فالحق سبحانه مراده من الوعد والوعيد أن يشوق الخلق إلى الثواب ويحذرهم من العقاب، ويفظع الجرائم والعقوبات عليها حتى لا نقع فيها. والله سبحانه لا يخلف الميعاد فوعده حق، لأنه سبحانه بيده كل أسباب الوفاء، ولا يوجد له معارض يصرفه عن الوفاء بوعده، لأن الذي يخلف الوعد تعرض له أشياء تخرجه عن إمكانية الوفاء، والإنسان ابن أغيار كثير التقلب، فيطرأ عليه ما يحول بينه وبين الوفاء بوعده، أما الحق سبحانه فهو الحق الذي لا يتغير، ولا يعز عليه شيء، وهو سبحانه القادر الذي له طلاقة القدرة. والحق سبحانه يرينا تحقيق وعده في الدنيا لنصدق بوعده في الآخرة فوعد الله المؤمنين فقال:

وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 173]. وقال:

ولينصرن الله من ينصره..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٦٥