تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما

[الكهف: 65] كذلك الرحمة هنا في ﴿ ويرجوا رحمة ربه ﴾ [الزمر: 9] أي: الفيوضات الخاصة التي يفيض الله بها على من ظل في معيته، ونحن نشاهد هذا في عالم البشر، فحين يكون لك صديق يلازمك ويسير في معيتك لا بد أن تخصه بفضلك وخصوصياتك، فما بالك بمن ظل في معية ربه؟ أيعطيك بلا خصوصية؟ أيسويك بمن يؤدي الفرض وحده؟ لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي:

" ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ".

وهكذا يدخل العبد في الربانية التي تقول للشيء كن فيكون، وهذه من الفيوضات لمن كان لله ساجدا أو قائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، يعبده بلا رياء ولا سمعة، ويمنع نفسه النوم والراحة لأنه أنس بربه، واستراح في قربه.

فقوله تعالى: ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ [الزمر: 9] دل على أن هناك علما اسمه علم المكاشفة، يفيض الله به على من يشاء من عباده الصالحين، الذين استحقوا هذه المنزلة، فالعبد الصالح صاحب موسى وعبد الله على منهج موسى، وليس برسول، ومع ذلك فاق الرسول لأن موسى - عليه السلام - أوصله بربه فتقرب إليه، حتى صار من أهل المكاشفة واتصل هو بالله مباشرة، وأطلعه الله على ما لم يطلع عليه نبيه موسى عليه السلام. لذلك في آخر قصته مع سيدنا موسى قال:

وما فعلته عن أمري

[الكهف: 82] إذن: فمهمة الرسل أن يوصلوا الخلق بالخالق، فإذا ما اتصلوا به كان الخط بينهما مباشرا، وكل بحسب قربه من ربه. وقوله سبحانه ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴾ [الزمر: 9]. أي: أصحاب العقول المفكرة التي تبحث في المحسات، وتتأمل في الآيات لأن للإنسان حواس تدرك، وعقلا يرجح ويختار، فيأخذ هذه بالسمع، وهذه بالبصر، وهذه بالأنف ثم يعرضها على العقل لينظر ما فيها من الخير وما فيها من الشر، فإن كان العقل صحيحا رجح الخير، واختار من البدائل أجداها فائدة، وأهمها نفعا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٥٣