تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" قالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم، فقد طعم خيرك، ومنع شكرك، وقالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك إلى أن قال الحق سبحانه لهذه المخلوقات التي أظهرت غيرتها على ربها عز وجل: دعوني وخلقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ".

﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ [الزمر: 7] فإن تشكروا يرضى لكم الشكر، ويعجبه منكم، ويحبه لكم، ويجزيكم عليه خيرا، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه:

لئن شكرتم لأزيدنكم..

[إبراهيم: 7]، فالشكر على النعمة يعطينا مزيدا من النعمة، فنشكر عليها فتعطينا المزيد، وهكذا يظل الشكر دائما والنعمة دائمة. وقوله: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ [الزمر: 7] أي: لا تحمل نفس مذنبة ذنوب نفس أخرى، يعني: سأكون عادلا بألا أحمل أحدا ذنب غيره، فكل معلق من عرقوبه. وهذه الآية وقف عندها بعض المستشرقين يقول: إنها تتعارض وقوله تعالى:

وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم

[العنكبوت: 13] نعم ظاهر الآيتين التعارض، لكن أنت لم تفهم مناط الوزر. فالقاعدة العامة أنه لا يحمل أحد ذنب أحد، أما هؤلاء فيحملون أوزارهم وأوزار الآخرين، لأن الآية هنا تتحدث عن رؤوس الضلال وقادة الكفر الذين ضلوا في أنفسهم، وأضلوا غيرهم، فالوزر الأول وزر ضلالهم في أنفسهم وأوزار الآخرين الذين أضلوهم وأغووهم وزينوا لهم الضلال. إذن: فالمعنى مختلف. ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم ﴾ [الزمر: 7] يعني: إن كنت قد بدأت خلقكم بالإكرام لكم، وقابلتم هذا الإكرام بالجحود، ولم تؤدوا حقه بالإيمان بي والطاعة لمنهجي، فاعلموا أنكم سترجعون إلي ولن تفلتوا مني ﴿ فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ [الزمر: 7] أي: يخبركم بما كان منكم. ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ [الزمر: 7] إذن: تذكروا دائما هذه المسألة، واحسبوا حسابها قبل فوات الأوان. وهذه الآية تحذير من الحق سبحانه، وبيان للعقوبة من شأنه أن يردع الناس عن الجرائم، فلا تقع ولا تحدث العقوبة أصلا، وهذا من رحمة الخالق بالخلق، فهو سبحانه يريد لهم الخير، ويريد لهم أن ينعموا بنعمه في الآخرة، كما نعموا بنعمه في الدنيا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٥٠