قد أنزلنا عليكم
[الأعراف: 26] قالوا: لأن اللباس الساتر للبدن يكون على الجسم يلفه ويستره، فناسبه الحرف على. أما الأنعام فهي شيء مستقل منفصل عن الإنسان. الحق سبحانه وتعالى يعطي من علو، ولكن الذي يعطي له هو من صنعته أيضا، فعلو في خلق آدم الخليفة، وعلو في المنهج الذي يصونه، حتى أن بعضهم قال: إن الإنسان خليفة لله في الأرض، بمعنى أنه مفوض من الله بالقيام بما أراده الله، بدليل لو كان هناك محتاج ضن الناس عليه يقول الله لهم:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
[البقرة: 245]. فسمى هذا الإعطاء للفقير قرضا، مع أنه سبحانه المعطي الواهب لهذا المال، لكن لما كان الحق سبحانه هو الخالق، وهو الذي استدعى الإنسان للوجود وتكفل له برزقه، فاعتبر المال ماله وحقه، فإن بذله فهو قرض لله. ومثلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: حين تعطي ولدك مصروفه فيجعله في حصالة مثلا، ومرت بك ظروف احتجت لما في حصالة الولد فقلت له: سلفني ما في حصالتك لحين ميسرة. مع أنك صاحب هذا المال. فكأن الحق سبحانه يحترم ملكية العبد، مع أنها من فضله، فإن طلبها منه طلبها على سبيل القرض. و الكتاب أي: القرآن. فمرة يقول: الكتاب. ومرة: القرآن، دليل على أنه سيأخذ الوصفين معا، فهو كتاب بمعنى مسجل ومكتوب يعني لا ينكر، وهو قرآن بمعنى مقروء، فهو مسجل في السطور ومحفوظ في الصدور، وهذه ستكون حجة علينا. وقد علمنا الدقة التي اتبعها الصحابة في جمع القرآن من صدور الحفظة، فكانوا لا يكتبون آية إلا إذا قرأها اثنان من الحفظة واتفقا على صحتها، كذلك يشهد على صحتها اثنان بعد الكتابة، فدلت هذه الدقة على حيثيات قوله تعالى:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]. وكلمة الكتاب هكذا بأل التعريفية تدل على أنه الكتاب الكامل في الكتب، ولا تنصرف هذه الكلمة إلا إلى القرآن الكريم. وقوله تعالى: ﴿ من الله ﴾ [الزمر: 1] دل على أن التنزيل من أعلى لأدنى، لكن لماذا قال ﴿ من الله ﴾ [الزمر: 1] ولم يقل: من الرب؟ لأن هذا الكتاب جاء بمنهج للتربية، والرب هو المتولي للخلق وللتربية. قالوا: لأن الربوبية عطاء يشمل الجميع المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فالرب خلق الجميع الخلق المادي وأمد الجميع، فالكل في عطاء الربوبية سواء. أما المنهج الذي نزل به الكتاب، فهو منهج إيماني وخلقي وتعبدي من عطاء الألوهية، لا من عطاء الربوبية، لذلك قال في الكتاب: ﴿ من الله ﴾ [الزمر: 1]. والله علم على واجب الوجود، أما الأسماء الحسنى فهي أوصاف بلغت العظمة لأنها لله تعالى وغلبت عليه، فصارت أسماء قال تعالى:
ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها
[الأعراف: 180] والجامع لها كلها لفظ الجلالة الله، فحين تقول الله كأنك ناديت الله بجميع أسمائه الحسنى لذلك أمرنا أن نبدأ العمل بقول باسم الله، والعمل يحتاج إلى قوة وإلى علم وإلى حكمة وإلى عزة.
. إلخ. فلو كنت مقبلا على عمل يحتاج إلى عشرين صفة مثلا فهل تقول: باسم القوي، باسم العليم، باسم الحكيم.. لا لأن في وسعك أن تجمع كل هذه الصفات في قولك باسم الله لأن لفظ الجلالة هي الكلمة الجامعة لكل صفات الكمال، وتناسب كل ما يحتاجه العمل، وكل ما يتعلق بالفعل، مما تعرفه أنت ومما لا تعرفه. لذلك قالوا: إياك أن تدع هذه الكلمة في بداية العمل، حتى لو كنت عاصيا فلا تخز من ربك ولا تخجل أن تقولها، ولا تستبعد أن الله يعاونك حتى وأنت عاصيه، لأن ربك الذي تدعوه وتبدأ عملك باسمه رحمن رحيم، وهو الذي أمرك أن تقولها. إذن: قال سبحانه: ﴿ تنزيل الكتاب من الله ﴾ [الزمر: 1] لأن الكتاب نزل بمنهج وقيم، ولم يقل: من الرب لأن الرب وصف خاص بالمادة وبالقالب. وقوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ [الزمر: 1] العزيز هو: الغني عن الخلق الذي لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وجاء هذا الوصف بعد ﴿ تنزيل الكتاب من الله ﴾ [الزمر: 1] لمناسبة، فكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني متطوع بهذا المنهج الذي أنزلته عليكم، وأريد به سعادتكم في الدنيا ونعيمكم في الآخرة، أما طاعتكم لمنهجي فلا تزيد في ملكي شيئا، لأنني الغني عنكم، فأنا العزيز عن خلقي. لذلك في مسألة الشرك بالله قال تعالى: