وإن من شيء إلا يسبح بحمده..
[الإسراء: 44]. فكل شيء في الوجود كله مسبح، فدل هذا على أن الموجودات لها دلالة عن ذاتها، وتستطيع أن تبين عما في مرادها، ونعجب من بعض العلماء حين يقول: هذه دلالة حال، لا دلالة مقال، وهذا القول يرده قوله تعالى:
ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. ونحن نفهم تسبيح الدلالة، ونراه في انسجام جزئيات الكون ونظامه البديع، والحق يقرر أننا لن نفهم هذا التسبيح. إذن: هو تسبيح مقال على الحقيقة لا يعرفه إلا من عرفه الله. ولم نستبعد تسبيح الكائنات، ونحن نرى لبعض الطوائف والمهن شفرات وإشارات لا يفهمها غيرهم، وفي اللغة الواحدة يمكن أن تسمع كلمات لا تعرف معناها، فضلا عن اختلاف اللغات بين الجنسيات المختلفة.
فإذا كنت لا تعرف بعض المعاني في لغتك، وإذا كنت لا تعرف لغات الآخرين وهم من بني جنسك، فلماذا تنكر أن يكون للأجناس الأخرى في الوجود لغات يتعارفون عليها، ويعبرون بها؟ ثم أكل اللغات ووسائل الفهم منطوقة؟ أليست هناك مثلا لغة الإشارة، يتعارف عليها البعض، ويفهم بها؟ ومع ذلك هناك قدر مشترك ومنطق في الدلالة يتفق عليه الجميع في كل اللغات ويتفاهمون به، كما يتفاهم الخرس مثلا، كما أن هناك أشياء تتفق فيها كل الطباع كالضحك والبكاء، فليس هناك ضحك عربي، ولا بكاء فرنسي مثلا. ومعنى حمل الأمانة أي: القيام بها وتطبيقها، كما جاء في قوله تعالى في معنى الحمل:
مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا..
[الجمعة: 5]. فقد حملوها كمنهج وحفظوا ما فيها، لكن لم يحملوها بمعنى: لم يطبقوا هذا المنهج، فصار مثلهم عند الله كمثل الحمار الذي يحمل الكتب، وهو لا يستفيد مما فيها، وهذا في حد ذاته ليس ذما للحمار، وليس اتهاما له بالغباء كما يدعي البعض، فالحمار ليس شغله الفهم إنما الحمل. فحسب، فمن حمل منهجا دون أن يستفيد به فهو شبه الحمار في هذه المسألة، وهذه خصوصية للحمار - أنه يحمل ما لا يفهم. والحمار في أمور أخرى يفهم ويؤدي مهمته على الوجه الذي ربما عجز عنه الإنسان، فمن المعروف عن الحمار أنه إذا ذهب إلى مكان فإنه لا ينساه ولا يضل عنه ولو بعد فترة، وربما يضل الإنسان طريقه الذي سار فيه منذ فترة، أما الحمار فلو تركت له حرية الحركة لذهب بك إلى نفس المكان. إذن: من الغبي؟ لذلك فالبعض يسأل: إذن لماذا يتهمون الحمار بالغباء؟ قالوا: لأنهم كلفوه بما لم يكلفه الله به، فالحمار خلق للحمل، وأنت تريده على درجة من الفهم ربما تفقدها في الإنسان العاقل. وسبق أن قلنا: إنك إذا أردت من الحمار أن يقفز فوق قناة مثلا أوسع من إمكاناته، فإنه لا يطاوعك أبدا فمهما ضربته لا يقدم على القفز، فإن كانت في مقدوره نظر إليها وكأنه يقدر اتساعها بالضبط، ثم يقفز دون أن تجبره، وهذا التصرف تصرف من يحسب العواقب جيدا، ويفهم ما يفعل. إذن: الشيء لا ينفصل عن مهمته، ولا يطلب منه فوق ما هيىء له، ومثلنا لذلك بعود الحديد ترى جماله في استقامته، فإن أردته خطافا مثلا فجماله وأداؤه لمهمته لا يتم إلا بعوجه، وساعتها لا تستطيع أن تقول عنه إنه معوج لأن هذا العوج هو عين الاستقامة لمهمته. لذلك قلنا في قوله تعالى:
إن أنكر الأصوات لصوت الحمير
[لقمان: 19] ليس ذما لصوت الحمار لأن صوت الحمار جعله الله عاليا هكذا لأنه يعيش في بادية، وغالبا ما يستتر خلف مرتفع أو حجر أو شجرة أو يبتعد مسافة طويلة عن صاحبه، فجاء صوته بهذه الهيئة ليدل عليه ويرشد صاحبه إلى مكانه. إذن: فالصوت العالي يكون منكرا إذا لم يكن له مهمة، وإذا استعمل في غير موضعه، والشيء قد يكون مختلفا، لكن مهمته تكون متحدة. مثلا، الدم الذي به حياة الإنسان إذا تجلط داخل أوعيته يؤدي إلى شلل العضو، ويحتاج إلى أدوية تعيد له سيولته، وفي المقابل إذا زادت سيولة الدم أدى ذلك إلى نزيف، وإذا حدث جرح مثلا لا يندمل لأن الدم لا يتجلط ولا يسد أماكن خروجه، إذن: تجلط الدم مطلوب خارج الأوعية، وسيولة الدم مطلوبة داخل الأوعية. إذن: لكل منهما حكمة في مكانه. ومعنى: ﴿ وأشفقن منها.. ﴾ [الأحزاب: 72] أي: خفن وقت التحمل مخافة أن يأتي وقت الأداء فلا يؤدي ﴿ وحملها الإنسان.. ﴾ [الأحزاب: 72] لما عنده من فكر واختيار ومحاولة، لكن قد يأتي فكره بالضرر. وقلنا: إن الإنسان يأكل مثلا حتى يشبع، ثم يعرض عليه الحلو والبارد، فتمتلئ بطنه حتى التخمة وحتى المرض، في حين أن الحمار أو الجاموسة مثلا لا تأكل عودا واحدا فوق الشبع لأنها محكومة بالغريزة التي لا تعرف التصرف في الأشياء، وميزة الحيوان في هذه الغريزة وفي عدم تصرفه. لذلك وصف الإنسان هنا بأنه ﴿ كان ظلوما جهولا ﴾ [الأحزاب: 72] وهذه صيغة فعول الدالة على المبالغة في الظلم والمبالغة في الجهل. وقد يعقل الظلم للغير لأن الظالم يظن أنه يستفيد منه، أما أن يظلم المرء نفسه بأن يمنعها خيرا، أو يجلب لها ضرا، فهذا ما لا يعقل ودليل الغباء. فحين يتكاسل عن الطاعة لشهوة نفس موقوتة يمنعها خيرا باقيا، ومتعة لا حدود لها، فهو عدو لنفسه لذلك قال العلماء: إن نفس الإنسان هي أعدى أعدائه لأن العدو إن كان من خارجك تستطيع أن تراه، وأن تحتاط له، أما إن كان من داخلك فأمره شاق. وقد بين الحق سبحانه أن أعظم الظلم الشرك بالله، فقال سبحانه: