وعجيب من هؤلاء المرجفين أن يظنوا أن الله لا يعلم أباطيلهم، ولا يعلمها رسوله، والله تعالى يقول:
أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم
[محمد: 29-30]. ومعنى لحن القول: أن يميلوا بالكلام عن غير معناه، ومن ذلك قولهم في السلام على رسول الله: السام عليكم، والسام هو الموت، وكما لووا ألسنتهم بكلمة راعنا فقالوا: راعونا يقصدون الرعونة. وأغرب من ذلك ما حكاه القرآن عنهم:
ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول..
[المجادلة: 8]. فهذا القول منهم دليل على غبائهم. أولا: لأنهم يتمنون العذاب. ثانيا: لأنهم قالوا ذلك في أنفسهم لم يقولوا للناس، ولم يقولوا حتى لبعضهم البعض لأن يقولون جمع، و في أنفسهم جمع، فكأن كلا منهم كان يقول ذلك في نفسه. إذن: ألم يسأل واحد منهم نفسه: من الذي أعلم رسول الله بما في نفسي؟ ألا يدل ذلك على أن محمدا موصول بربه، وأنه لا بد فاضحهم، وكاشف مكنونات صدورهم، إذن: هذا غباء منهم. والمتتبع لتاريخ اليهود والمنافقين في المدينة يجد أن الإسلام لم يأخذهم على غرة، إنما أعطاهم العهد وأمنهم ووسع لهم في المسكن والمعيشة طالما لم يؤذوا المسلمين، لكن بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يتناجون بالإثم والعدوان، فبعث إليهم ونهاهم عن التناجي بالإثم والعدوان، لكنهم عادوا مرة أخرى، كما قال القرآن عنهم
ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه
[المجادلة: 8]. إذن: لم يبق إلا المواجهة على حد قول الشاعر:
أناة فإن لم تغن عقب بعدها
وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه
لذلك يأتي جواب الشرط: ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم.. ﴾ [الأحزاب: 60]. فجواب الشرط: ﴿ لنغرينك بهم.. ﴾ [الأحزاب: 60] من الإغراء، وهو باب من أبواب الدراسات النحوية اسمه الإغراء، ويقابله التحذير، الإغراء: أن تحمل المخاطب وتحببه في أمر محبوب ليفعله، كما تقول لولدك مثلا: الاجتهاد الاجتهاد. أما التحذير فأن تخوفه من أمر مكروه ليجتنبه، كما تقول: الأسد الأسد، أو الكسل الكسل. فمعنى ﴿ لنغرينك بهم.. ﴾ [الأحزاب: 60] أي: نسلطك عليهم، ونغريك بمواجهتهم والتصدي لهم، فكأن هذه المواجهة صارت أمرا محبوبا يغرى به لأنها ستكون جزاء ما فزعوك وأقلقوك. وما دمنا سنسلطك عليهم، وما دمتم ستصيرون إلى قوة وشوكة تغرى بعدوها، فلن يستطيعوا البقاء معكم في المدينة. ﴿ ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا ﴾ [الأحزاب: 60] أي: في المدينة، وكلمة ﴿ إلا قليلا ﴾ [الأحزاب: 60] يمكن أن يكون المعنى: قليل منهم، أو قليل من الزمن ريثما يجدوا لهم مكانا آخر، يرحلون إليه مشيعين بلعنة الله.
﴿ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ﴾ [الأحزاب: 61]. الملعون: المطرود من رحمة الله، أو مطرودون من المدينة بعد أن كشف الله دخائل نفوسهم الخبيثة لذلك طردهم رسول الله من المسجد لأنهم كانوا من خبثهم ولؤمهم يدخلون المسجد، بل ويصلون في الصف الأول، يظنون أن ذلك يستر نفاقهم. لكن رسول الله كان يطردهم بالاسم: يا فلان، يا فلان، فكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم، ولم لا وقد قال الله له:
ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم..
[محمد: 30]. ومعنى ﴿ أينما ثقفوا.. ﴾ [الأحزاب: 61] أي: وجدوا ﴿ أخذوا.. ﴾ [الأحزاب: 61] أي: أسروا ﴿ وقتلوا تقتيلا ﴾ [الأحزاب: 61] ولاحظ المبالغة في ﴿ وقتلوا.. ﴾ [الأحزاب: 61] والتوكيد في ﴿ تقتيلا ﴾ [الأحزاب: 61] يعني: اقتلوهم بعنف، ولا تأخذكم فيهم رحمة جزاء ما ارتكبوه في حق الإسلام والمسلمين. ولأن المنافق الذي طبع على النفاق صارت طبيعته مسمومة ملوثة لا تصفو أبدا، فالنفاق في دمه يلازمه أينما ذهب، ولا بد أن ينتهي أمره إلى الطرد من أي مكان يحل فيه. لذلك، فمع أن الله تعالى قطعهم في الأرض أمما، إلا أن كل قطعة منهم في بلد من البلاد لها تماسك فيما بينها، بحيث لا يذوبون في المجتمعات الأخرى فتظل لهم أماكن خاصة تعرف بهم، وفي كل البلاد تعرف حارة اليهود، لكن لا بد أن يكتشف الناس فضائحهم، وينتهي الأمر بطردهم وإبادتهم، وآخر طرد لهم ما حدث مثلا في ألمانيا. وصدق الله حين قال فيهم: