والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة..
[الحشر: 9]. ويقول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ".
وأيضا القرآن هو الذي قال عن أهل المدينة:
ومن أهل المدينة مردوا على النفاق..
[التوبة: 101] وهذا ليس استضعافا للمدينة، إنما إظهار لقوة الإسلام فيها، بحيث أصبحت له سطوة وقوة تنافق. هنا قوله تعالى: ﴿ لئن لم ينته المنافقون.. ﴾ [الأحزاب: 60] ساعة تسمع ﴿ لئن لم ينته.. ﴾ [الأحزاب: 60] فاعلم أن الله تعالى أقسم بشيء وهذا القول هو جواب القسم، والحق سبحانه لا يقسم إلا على الشيء العظيم، ونحن البشر نقسم لنؤكد كلامنا، كما تقول: والله إن ما حدث من فلان كذا وكذا سأفعل كذا وكذا.
أما الحق سبحانه، فكلامه صادق ونافذ دون قسم، فما بالك إن أقسم؟ لذلك يقول بعض العارفين إذ سمع الله تعالى يقسم: من أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟ كلمة ﴿ المنافقون.. ﴾ [الأحزاب: 60] مفردها منافق، مأخوذ من نافقاء اليربوع، واليربوع حيوان صغير يشبه الفأر، يعرفه أهل البادية، يعيش في جحور، فيترصدونه ليصطادوه ساعة يخرج من جحره، لكن هذا الحيوان الصغير فيه لؤم ودهاء، فماذا يفعل؟ يجعل لجحره مدخلين، واحد معروف، والآخر مستتر بشيء، فإذا أحس بالصياد على هذا المدخل ذهب إلى المدخل الآخر لذلك أشبه المنافق تماما الذي له قلب كافر ولسان مؤمن. وتلحظ أن المنافقين وصفهم الله هنا بصفات ثلاث ﴿ المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة.. ﴾ [الأحزاب: 60] فالعطف هنا لا يقتضي المغايرة، إنما عطف صفات مختلفة لشيء واحد، وجاءت هذه الصفات مستقلة لأنها أصبحت من الوضوح فيهم، بحيث تكاد تكون نوعا منفردا بذاته. وقد وصف القرآن في موضع آخر المنافقين بأن في قلوبهم مرضا، فقال سبحانه:
ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون
[البقرة: 8-10]. وفي هذا دليل على أن الواو هنا أفادت عطف صفة على صفة، لا طائفة على طائفة، ومثله العطف في قوله تعالى:
والذين تبوءوا الدار والإيمان..
[الحشر: 9] فالدار أي المدينة، وكذلك الإيمان يراد به المدينة أيضا. ومعنى ﴿ والمرجفون.. ﴾ [الأحزاب: 60] المرجف من الإرجاف، وهو الهزة العنيفة التي تزلزل، ومنه قوله تعالى:
يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة
[النازعات: 7] فالمرجفون هم الذين يحاولون زلزلة الشيء الثابت، وزعزعة الكيان المستقر، كذلك كان المنافقون كلما رأو للإسلام قوة حاولوا زعزعتها وهزها لإضعافه والقضاء عليه. وهؤلاء هم الذين نسميهم في التعبير السياسي الحديث الطابور الخامس، وهم الجماعة الذين يروجون الإشاعات، ويذيعون الإباطيل التي تضعف التيار العام وتهدد استقراره. وكثيرا ما قعد المنافقون يقولون: إن قبيلة فلان وقبيلة فلان اجتمعوا للهجوم على المدينة والقضاء على محمد ورسالته، وهدفهم من هذه الإشاعات إضعاف وهزيمة الروح المعنوية لدى المسلمين الجدد والمستضعفين منهم. حتى على مستوى الأفراد، كانوا يذهبون إلى من يفكر في الإسلام، أو يرون أنه ارتاح إليه، فيقولون له: ألم تعلم أن فلانا أخذه قومه، أو أخذه سيده وعذبه حتى الموت لأنه اتبع محمدا، ذلك ليصرفوا الناس عن دين الله. إذن: المرجف يعني الذي يمشي بالفتنة والأكاذيب ليصرف أهل الحق عن حقهم، بما يشيع من بهتان وأباطيل. لذلك يهددهم الحق سبحانه: لئن لم ينته هؤلاء المنافقون عن الإرجاف في المدينة وتضليل الناس ليكونن لنا معهم شأن آخر، كان هذا وقت مهادنة ومعاهدة بين المسلمين واليهود وأتباعهم من المنافقين، وكأن الله تعالى يقول: لقد سكتنا على جرائمهم إلى أن قويت شوكة الإسلام، أما وقد صار للإسلام شوكة فإن نقضوا عهدهم معنا فسوف نواجههم.