تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب

[المسد: 1-2]. قال لابنه عتبة: رأسي ورأسك علي حرام حتى تطلق رقية فطلقها، بعدها مر عتبة على رسول الله، وفعل فعلة فيها استهزاء برسول الله، فقال له صلى الله عليه وسلم:

" أكلك كلب من كلاب الله ".

أخبر عتبة أباه بما كان من دعاء رسول الله عليه، وكان أبو لهب يعلم صدق رسول الله، وأن دعاءه مستجاب لا يرد، فخاف على ابنه، وأخذ يحتاط له، ويوصي به رفاقه في رحلات تجارته - وعجيب أنه مع هذا كله لم يؤمن.

وفعلا كان عتبة في رحلات التجارة ينام في وسط القوم، وهم يحيطون به من كل جانب، وفي إحدى الليالي جاءه أسد، فأخذه من بين القوم، ولم يبق منه إلا ما يعرف به. علق على هذه الحادثة أحد المغرضين فقال: إن رسول الله قال: " أكلك كلب " وهذا أسد، فرد عليه أحد العارفين فقال: إذا نسب الكلب إلى الله، فلا بد أن يكون أسدا، فرسول الله لم يقل: كلب من كلابكم، إنما من كلاب الله. هذا ما كان من أمر عتبة، أما عتيبة فقد طلق أم كلثوم، لكنه لم يتعرض لرسول الله بإيذاء، بل قالوا: إنه كان يستحي أن يواجه رسول الله، لذلك لم يدع عليه رسول الله. أما الحادث المبهج في حياة رقية وأم كلثوم، فقد أبدلهما الله خيرا من عتبة وعتيبة، حيث تزوجت رقية من سيدنا عثمان، فلما ماتت تزوج بعدها من أم كلثوم لذلك لقب - رضي الله عنه - بذي النورين، وكانت النساء يغنين حين تزوج عثمان برقية:

أحسن ما رأى إنسان

رقية وزوجها عثمان

فانظر إلى عظم هذا العوض أن يبدلهما الله بعتبة وعتيبة من؟ عثمان، نعم العوض هذا، والعوض في مثل هذه المسائل إنما يتأتى بقبول القضاء في نظائره، فإذا أصيب الإنسان فاستسلم وسلم الأمر لله فقال كما علمنا رسول الله:

" إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي - أيا كانت هذه المصيبة - وأخلفني خيرا منها ".

إذا قال ذلك وعلم أن لله حكمة في كل قضاء يقضيه لا بد أن يعوضه الله خيرا، وأظن أن قصة السيدة أم سلمة مشهورة في هذا المقام، فلما توفي زوجها أبو سلمة حزنت عليه حزنا شديدا، ولما جاءها النسوة يعزينها في زوجها قالت إحداهن: يا أم سلمة، قولي كما قال رسول الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أأجرني في مصيبتي، واخلفني خيرا منها، فقالت: وهل هناك خير من أبي سلمة، يعني: هو في نظرها أحسن الناس وخيرهم. لكنها مع هذا رضيت بقضاء الله فما انقضت عدتها حتى طرق عليها طارق يقول: يا أم سلمة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك لنفسه، فضحكت لأن الله عوضها بمن هو خير من أبي سلمة. بعد أن أمر الحق سبحانه أزواج النبي وبناته أولا بهذا الأدب ثنى بنساء المؤمنين، فقال ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما ﴾ [الأحزاب: 59] لأن أسرة رسول الله ليست أزواجه وبناته فحسب، إنما العالم كله، وكلمة نساء جمع، لا واحد له من لفظه، فمفرد أزواج زوج، ومفرد بنات بنت، أما نساء فمفردها من معناها، لا من لفظها، فتقول: امرأة، واستثقل جمع امرأة على امرآت فقالوا: نساء وأصلها في اللغة من النسيء، قالوا: لأن المرأة أجل خلقها بعد خلق الرجل.

وفي اللغة: النسء أي: التأخير والتأجيل، فقالوا: نساء. ثم يذكر سبحانه الأمر الذي وجه إلى زوجات النبي، وبناته ونساء المؤمنين جميعا ﴿ يدنين عليهن من جلابيبهن.. ﴾ [الأحزاب: 59] فالفعل ﴿ يدنين.. ﴾ [الأحزاب: 59] مجزوم في جواب الطلب قل مثل: اسكت تسلم، ذاكر تنجح، وفي الآية شرط مقدر: إن تقل لهن ادنين يدنين. كما في

وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا

[الحج: 27] لأن الخطاب هنا للمؤمنات، وعلى رأسهن أزواج النبي وبناته، وإن لم يستجب هؤلاء للأمر، فقد اختل فيهن شرط الإيمان. ومعنى: الإدناء: تقريب شيء من شيء، ومن ذلك قوله تعالى في وصف ثمار الجنة

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧١١