تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لله الواحد القهار

[غافر: 16]. هذا في معنى إيذاء الله تعالى، أما الإيذاء في حق سيدنا رسول الله، فرسول الله بشر، يمكن أن يصيبه الإيذاء بالفعل والإيذاء بالقول، فكما قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء قالوا عن رسول الله: كاهن وساحر ومجنون وشاعر، ثم تعدى الإيذاء إلى الفعل الذي أصاب رسول الله وآلمه بالفعل. ألم يرم بالحجارة حتى دميت قدماه في الطائف؟ ألم يضعوا على ظهره الشريف سلا البعير في مكة - أي سقط البعير - ألم تكسر رباعيته يوم أحد ويشج ويسيل دمه صلى الله عليه وسلم؟ فرسول الله ناله مع ربه - عز وجل - إيذاء بالقول، ثم ناله إيذاء آخر بالفعل، إيذاء بشري فيه إيلام، وقمة الإيذاء بالفعل ما يتعرض لأمر محارمه وأزواجه صلى الله عليه وسلم. لذلك قال تعالى:

وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله..

[الأحزاب: 53] أي: بمخالفة ما جاء به، أو بأن تتهموه بما ليس فيه، أو تتعرضوا له بإيلام حسي، ثم لم يخص من ألوان الإيذاء إلا مسألة الأزواج، فقال:

ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا..

[الأحزاب: 53] وذكر هذه المسألة بالذات صراحة مراعاة لطبيعة النفس البشرية، فقد قلنا: إن الرجل يمكن أن يتجمل على أصحابه أو أحبابه بأغلى ما يملك، لكنه أبدا لا يقبل أن ينظر أحد إلى زوجته، يحميها ويغار عليها من مجرد النظر. لذلك فإن سيدنا حذيفة، وكان يحب امرأته، فقال لها: ألا تحبين أن تكوني معي في الجنة؟ فقالت: بلى، فقال لها: إذن إذا مت فلا تتزوجي بعدي - فهو يغار عليها حتى بعد موته - لأني سمعت رسول الله يقول:

" المرأة لآخر أزواجها ".

لكن هذا الحديث ووجه بحديث آخر

" لما سئل رسول الله: أي نساء الرجل تكون معه في الجنة؟ فقال: " أحسنهن خلقا معه ".

وقد رأى البعض تعارضا بين هذين الحديثين، والواقع أنه ليس بينهما تعارض، لأن الآخرية هنا لا يراد بها آخرية الزمن، إنما آخرية الانتقال، كما لو تمتعت برحلة جميلة مع أحد الأصدقاء منذ عشرين سنة، فلما ذكرته بها قال: كانت آخر متعة، مع أنك تمتعت بعدها برحلات أخرى. فالمعنى: تكون لآخر أزواجها في المتعة، وإن كان متقدما بحسن الخلق، إذن: فالمعنيان متفقان، لا تعارض بينهما. ومسألة غيرة الرجل على المرأة لها جذور في تاريخنا وأدبنا العربي، ومن ذلك قول الشاعر:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت

فوا أسفى من ذا يهيم بها بعدي

فهو مشغول بها حتى بعد أن يموت، لكن يؤخذ عليه أنه شغل بمن يحل محله في هيامه بمحبوبته لذلك كان أبلغ منه قول الآخر:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت

فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي

إذن: فهذه الغيرة مراتب ودرجات. ويحدثنا التاريخ أن أحد الخلفاء العباسيين - أظنه الهادي - كان يحب جارية اسمها غادر، ولشدة حبه لها قالوا إنه تزوجها، وفي خلوة من خلوات الهيام والعشق قال لها: عاهديني - لأن صحته لم تكن على ما يرام - إذا أنا مت أن لا تتزوجي بعدي، وفعلا أعطته هذا العهد، فلما مات الهادي لم تلبث أن نسيت غادر عشقها للهادي، ونسيت حزنها عليه - وهذا من رحمة الله بنا أن كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر إلا المصائب، فإنها تبدأ كبيرة ثم تصغر. بعدها تزوجت غادر من أخي الهادي، وفي يوم من الأيام استيقظت فزعة صارخة، حتى اجتمع عليها من في القصر، وسألوها: ماذا بك؟ قالت: جاءني الهادي في المنام، وقال لي:

خالفت عهدي بعدما

جاورت سكان المقابر

ونكحت غادرة أخي

صدق الذي سماك غادر

لا يهنك الإلف الجديد

ولا عدت عنك الدوائر

ولحقت بي منذ الصباح

وصرت حيث ذهبت صائر

وما كادت تنتهي من قولها حتى لفظت أنفاسها الأخيرة، وماتت لذلك، فالحق سبحانه يراعي هذه الغرائز الإنسانية وهذه الطبيعة، ألا ترى أن عدة المتوفى عنها زوجها كانت سنة كاملة، كما في قوله تعالى:

والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٠٧