أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين * فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يرآءون * ويمنعون الماعون
[الماعون: 1-7]. فالمتاع هو الماعون، وهو أدوات البيت التي يستعيرها منك جارك غير القادر على توفيرها في بيته. إذن: الحق سبحانه في حين جعل للمؤمنين أدبا خاصا مع رسول الله في الدخول عليه أو الأكل في بيته والجلوس عنده، لم يمنع الانتفاع بما عنده صلى الله عليه وسلم من متاع البيت، ومتاع البيت يطلب بأن تطرق الباب على أهله تقول: أعطونا كذا وكذا، وعادة ما تسأل المرأة لأنها ربة البيت والمسئولة عن هذا المتاع، فإذا طلبتم شيئا من زوجات النبي فاطلبوه من وراء حجاب { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن.
. } [الأحزاب: 53]. سبق أن قلنا: إن المشاعر والإدراكات والمواجيد والعقائد التي تستقر في النفس، هذه المظاهر الشعورية تتكون على مراحل ثلاث: آلة تدرك، ووجدان يستقبل، إما بالمحبة، وأما بالكراهية، ثم نفس تنزع، ومثلنا لذلك بالوردة تراها في البستان جميلة نضرة، وتشم رائحتها زكية عطرة، فهذا إدراك بحاسة البصر وحاسة الشم، نتج عنه إعجاب ومواجيد، يترتب عليها أن تمد يدك لتقطفها، وهذا هو النزوع. والشرع لا يتدخل، لا في الإدراك، ولا في الوجدان، إنما يتدخل في النزوع، فلك أن ترى جمال الودرة كما تشاء، ولك أن تشم عبيرها، لكن إن امتدت يدك إليها قلنا لك: قف: أهي حق لك؟ إن كانت حقك فخذها، وإلا فهي محرمة عليك لأنها ليست ملكك، وليس في هذا حجرا على حريتك لأن الذي قيد حريتك في الاعتداء على مال الغير قيد حرية الآخرين في الاعتداء عليك، فأعطاك قبل أن يأخذ منك إذن: فالشرع في صالحك أنت. نقول: الشرع لا يتدخل إلا عند مرحلة النزوع، إلا في علاقة الرجل بالمرأة والنظر إلى جمالها، فإنه يتدخل فيها من بدايتها، فيحظر عليك مجرد الإدراك، لأنك حين ترى جمال المرأة، وربما كانت أجمل من امرأتك أو لم يسبق لك الزواج، فإنك تعجب بها. وهذا الإعجاب لا بد أن يدعوك إلى النزوع، فكيف تنزع في هذه الحالة؟ والنزوع في هذه المسألة له شروط: أولها أن تأتيه من باب الحلال، فإن لم تكن قادرا على باب الحلال، فإما أن تعف نفسك، وإما أن تعربد في أعراض الآخرين، لذلك تدخل الشرع في هذه المسألة من أولها، ولم يتركك حتى تقع في المحظور وتنزع فيما لا يحل لك لأن المرأة الجميلة لا شك تهيج في الرجل معاني خاصة. وفي ذلك يقول الشاعر:
سبحان من خلق الجما
ل والانهزام لسطوته
ولذاك يأمرنا بغض
الطرف عنه لرحمته
من شاء يطلبه فلا
إلا بطهر شريعته
وبذا يدوم له التمتع
هاهنا وبجنته
أما الذي يدعي أن نظره إلى جمال المرأة لا يترك فيه هذا الأثر فهو مخالف للطبيعة، حتى وإن كان متزوجا، وإياك أن تظن أن امرأة تغني بجمالها عن جمال في سواها لذلك يقولون: النساء كالخمر، كل مليحة بمذاق، فمهما كانت زوجتك جميلة، وفيها كل المواصفات التي تعجبك فسوف تجد في غيرها الجديد مما ليس فيها. إذن: من رحمة الله بك أن لا تدخل في هذه المسألة من أول مراحلها، فحرم مجرد النظر. وإذا كان هذا في المعنى العام للناس، فكيف يكون مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى مخاطبا المؤمنين { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله.
. } [الأحزاب: 53] أي بالنظر إلى زوجاته لأن النظر إدراك يتبعه أن تجد في نفسك شيئا، صحيح أنت لا تستطيع أن تقدم لأنهن أمهات المؤمنين، إنما سينشغل قلبك، ومجرد خواطر القلب هنا إيذاء لسيدنا رسول الله، بدليل أنه قال بعدها: ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده.. ﴾ [الأحزاب: 53]. وروي أن رجلا رأى السيدة عائشة قبل الحجاب فانبهر بها، فقال: والله إن مات رسول الله لأتزوجن هذه الحميراء، وإن كان كفر عن هذه القولة وحج ماشيا، وأعتق الرقاب، ليغفر الله له هذه الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمعنى ﴿ ذلكم.. ﴾ [الأحزاب: 53] أي: أمرنا بأن تسألوهن من وراء حجاب، وهذا الأمر احتياط للطرفين ﴿ أطهر لقلوبكم وقلوبهن.. ﴾ [الأحزاب: 53] لقلوبكم أولا، ولقلوبهن ثانيا. وقوله تعالى: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله.. ﴾ [الأحزاب: 53] أي: لا ينبغي ولا يكون، وهذا يعني أن شيئا لم يحدث، بل مجرد الخاطر يعد إيذاء لأنه في حق من؟ في حق رسول الله. وقوله: ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا.. ﴾ [الأحزاب: 53] هذا تكريم لرسول الله ولأزواجه ليس في مدة حياته فحسب، إنما حتى بعد مماته لأنهن أمهات للمؤمنين، وليس لأحد أن يتزوج منهن بعد رسول الله. ومعلوم أن للزوجة بالنسبة لزوجها خصوصية، فعادة في طبيعة التكوين الإنساني ترى الرجل عنده ألوان من الخير، فإن كان صاحب أريحية لا يمنعك شيئا تتطلبه أو تستعيره منه، يعطيك من ماله، من متاع بيته، يعيرك سيارته.. إلخ. إلا ما يتعلق بالمرأة، فإنه يغار حتى من مجرد أن تنظر إليها، ليس ذلك وهي في حوزته وملكه، إنما حتى لو كان كارها لها، حتى لو طلقها يغار عليها أن تتزوج بآخر. إذن المرأة هي المتاع الوحيد الذي يحتل هذه المنزلة، وينال هذا الحفظ وهذه الرعاية، لماذا؟ لأنها وعاء النسل، وكأن الله تعالى يريد للأمة كثرة النسل شريطة أن يكون من طهر وعفة ونقاء، فوضع في قلب الرجل حبها والغيرة عليها. لذلك، تأمل هذا الوصف الذي وصف الله به الأنصار لما استقبلوا المهاجرين، وأفسحوا لهم في أملاكهم وفي بيوتهم، فوصفهم الله وصفا أرقى ما يوصف به مكان في مكين. فقال سبحانه: