تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله..

[المزمل: 20]. والضرب في الأرض ليس مجرد الانتشار فيها، إنما المراد العمل والكفاح واستخراج خيراتها لأن الخالق سبحانه نثر القوت في أنحاء الأرض بالتساوي، ونثر فيها الخيرات لذلك كل يوم تعطينا الأرض جديدا من نعم الله، كنا لا نعرف من خيرات الأرض إلا الزراعة، فلما تقدمت العلوم والاكتشافات وتطورت أدواته عرفنا المعادن والبترول والكنوز المطمورة في أرض الله، وكل أثر كنزي في الأرض لا نستخرجه ولا نعرفه إلا بالضرب في الأرض، وسبق أن قلنا: الضرب إيقاع شيء بقوة. كنا نتعجب من الناس الذين يسكنون البوادي والصحراء ونشفق عليهم، كيف يعيشون في هذا الجدب والقحط؟ ولماذا لا يتركون هذا المكان إلى غيره؟ والآن وبعد الاكتشافات البترولية صاروا هم أغنى الناس وتأتيهم كل خيرات الدنيا تحت أقدامهم. لماذا؟ لأنهم تمسكوا بأرضهم وبلادهم وصبروا عليها، حتى آن الأوان لجني خيراتها، ولو أنهم يئسوا منها ما نالوا كل هذا الخير. وسبق أن أوضحنا أن خيرات الأرض متساوية، وشبهناها بقطاع طولي في البطيخة مثلا، وإن تعددت ألوان هذه الخيرات واختلفت من مكان لآخر. والأخرى: أن تكون السياحة للاعتبار والتأمل في آيات الله في كونه، فبالتنقل والسير في الأرض أرى آيات ليست موجودة في بيئتي، وفي ذلك يقول تعالى:

قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير

[العنكبوت: 20] ويقول سبحانه في موضع آخر:

قل سيروا في الأرض ثم انظروا..

[الأنعام: 11]. والمعنى أن السير في الأرض لابتغاء الرزق ينبغي أن يصاحبه نظر وتأمل لآيات الله. ثم يقول سبحانه: { ولا مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق.

. } [الأحزاب: 53] أي: لا ينبغي أن تجلسوا بعد الطعام للحديث، وتجعلوها سهراية في بيت رسول الله، وهذا النهي كان له سبب وحادثة وقعت، فنزلت هذه الآية. سيدنا رسول الله لم يولم وليمة في عرس من أعراسه إلا لزينب بنت جحش، فذبح صلى الله عليه وسلم شاة، وأعد لهم الحيس، وهو التمر المخلوط بالزبد والسمن، ثم يوضع عليه اللبن الحامض أو الرايب. فلما أكل الناس جلسوا يتحدثون، انتظر رسول الله أن يقوموا وينصرفوا، فلم يقم منهم أحد، وحياؤه صلى الله عليه وسلم يمنعه أن يقول لهم: قوموا، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يظهر لهم أنه يريد أن يقوم، وقام فعلا وخرج، فلم يقم منهم أحد ووجد صلى الله عليه وسلم آخرين جالسين بالخارج، فعاد إلى مجلسه، فشعر القوم بما يريده رسول الله فانصرفوا. يقول سيدنا أنس: فجئت فأخبرت رسول الله أنهم انطلقوا، فجاء صلى الله عليه وسلم ودخل، فذهبت لأدخل وراءه، فألقى الحجاب بيني وبينه - يعني: لا أحد يدخل حتى أنت. ومعنى: ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم.. ﴾ [الأحزاب: 53] لأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن تنصرفوا، لكن يمنعه حياؤه، وهذا لأن المكان ضيق، ورسول الله في يوم عرس، وليس من المناسب الجلوس عنده. ﴿ والله لا يستحيي من الحق.. ﴾ [الأحزاب: 53] لذلك قالوا: حسب الثقلاء أن الله لم يحتملهم. هكذا حدثتنا الآية في صدرها عن: آداب الدخول، وآداب الاستئذان، وآداب الأكل، وآداب الجلوس عند رسول الله. ثم تحدثنا بعد ذلك عن الآداب التي يجب أن يتحلى بها المؤمنون في علاقتهم بزوجاته صلى الله عليه وسلم: ﴿ وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن.. ﴾ [الأحزاب: 53]. المتاع: أواني البيت التي لا تتيسر للجميع، فعادة ما يكون في الشارع أو الحارة بيت أو بيتان مستوران، عندهم مثل هذه الأشياء: ماجور العجين، أو المنخل، أو الغربال، أو الهون.. إلخ. ومثل هذه الأشياء عادة لا تتوفر للفقير، فيذهب إلى جاره فيستعيرها منه، وهذا ما قال الله فيه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٠٠