لذلك تجد من عظمة القرآن أن يحتاط لمثل هذه الأمور، فيقول سبحانه:
من آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من فضله..
[الروم: 23] فالنوم يكون بالليل، ويكون أيضا بالنهار لمن تستدعي طبيعة عمله أن يعمل بالليل. والبيت يكون على قدر إمكانات صاحبه، المهم أن يكون له مكان يأوي إليه ويستريح فيه، مهما قل، حتى لو كان مكانا ضيقا على قدر ما يسع الإنسان أن يضع جنبه على الأرض، فإن كان فيه متسع فبها ونعمت، وعلى طارق البيت أن يراعي مدى البيتوتة لمن يطرق عليه. وكما يتفاوت الناس في البيوت، كذلك يتفاوتون في ترف الحياة وأسباب الراحة في البيت على حسب الإمكانات، وما دامت الراحة على قدر الإمكانات، فينبغي أن يتحلى كل بالرضا، وأن يربط بين عمله ودخله وبين ترف حياته، فقبل أن تفرض لنفسك حياة مترفة، افرض لها أولا عملا مترفا بنفس المستوى، بحيث توفر منه إمكانات هذا الترف. وكما يقول المثل على قدر لحافك مد رجليك فإذا كانت إمكاناتك لا تفر لك إلا الكفاف، فلتكن راضيا به، وإن تمردت وطلبت المزيد فلتتمرد أولا على نفسك، ولتعمل العمل الذي يوفر لك ما تتطلع إليه. وآفة الناس في اقتصادهم أن يحددوا مستوى الحياة أولا، ثم يرغمون دخولهم وإمكاناتهم على هذا المستوى، فيحدث العجز، ولا تفي الإمكانات بالمتطلبات، إنما الواجب أن أحدد مستوى حياتي على ضوء دخلي وإمكاناتي، وبذلك يعيش الإنسان سعيدا مرتاحا لا يرهقه شيء، ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن الدخول والإمكانات أن نراعي الحلال في الكسب وفي الإنفاق. وإذا كانت البيوت وأسباب الراحة فيها بحسب إمكانات أصحابها، فينبغي أن تكون أحوالهم النفسية أيضا على قدر إمكاناتهم حتى لا يمتلىء قلب الفقير حقدا على صاحب النعمة. إذن: لا بد لنا أن نتحلى بالرضا، وأن نقنع بما في أيدينا، ومن يدريك لعل صاحب النعمة هذا ورثها، وإن كان لم يتعب هو فيها فقد تعب أباؤه وأجداده، وسبق أن قلنا: إن الذي يعرق عشر سنين من حياته يرتاح بقية عمره، والذي يعرق عشرين سنة يريح أولاده، والذي يعرق ثلاثين يريح أحفاده، ومن ذا الذي عرق وكد ولم يجد ثمرة عرقه؟ فمن أراد أن يعيش محترما مكرما حال شيخوخته فليعمل في شبابه وحال قدرته، وليعرق قبل أن يأتيه يوم لا يجد فيه هذه القدرة لذلك يراعي سيدنا رسول الله هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم:
" أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه ".
أما الذين يتسكعون في الشوارع أو على القهاوي فليسوا أهلا لهذه الحياة الكمرية حال شيخوختهم، كذلك العامل الذي لا يعطي للعمل حقه، أو لا يتقنه، أو يجلس يراقب صاحب العمل يتحين الفرصة لإضاعة الوقت.
ومعلوم أن القرش إذا اكتسبه صاحبه دون وجه حق كان وبالا عليه وفسادا لحاله لأنه لم يعرق به. واقرأ إن شئت قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أصاب مالا من مهاوش، أذهبه الله في نهابر "
والمهاوش هي الطرق غير المشروعة لجمع المال، وهو نفس المعنى الذي نقصده حين نقول مثلا: فلان جمع هذا المال من الهبش أو النتش، والنهابر هي الأبواب التي تفتح لصرف هذا المال فيما لا فائدة منه. وكثيرا ما نرى بعض الناس دخولهم ورواتبهم كبيرة، ومع ذلك يعيشون عيشة الفقراء، لا ترى عليهم ولا على أولادهم أثرا لهذه النعمة. والناس يختلفون في نظرتهم إلى النعمة في أيدي الآخرين فقوي الإيمان ساعة يرى النعمة في يد غيره لا يحسده عليها، إنما يرى أنها فضل الله على عباده، وتراه يدعو لصاحب النعمة بالبركة، ويقول: والله إنه يستحق هذه النعمة وأكثر منها لأنه جد واجتهد. المؤمن يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اللهم بارك له وأعطني من نعمك، المؤمن يرى في نعمة الدنيا نموذجا مصغرا لنعمة الآخرة، فيقول: هذا ما أعده البشر لأنفسهم، فكيف بما أعده الله لخلقه؟ عندها يتراءى له نعيم الجنة، فيقبل عليها بقلب يملؤه الإيمان واليقين، وهذه النظرة للنعمة عند الآخرين تسمى غبطة. أما غير المؤمن - والعياذ بالله - فيحقد على صاحب النعمة، ويراه غير أهل لها، ويتمنى زوالها من عنده، ويحسده عليها، وهذا كله دليل على ضعف الإيمان والاعتراض على أقدار الله في خلقه. ونسمي المساجد بيوت الله، وسمي المسجد بيت الله لأنه جعل خصيصا لكي نقابل فيه الله حينما نسمع نداء الصلاة لذلك حذرنا رسول الله أن ندخل الدنيا معنا بيوت الله، فحذر أن تعقد الصفقات في المساجد، أو تنشد فيها الضالة، ولا أدل على ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم لمن عقد صفقة تجارية في بيت الله: