تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها ".

وسبق أن قلنا: إن الذكر هو العبادة الوحيدة التي لا تكلفك شيئا، ولا تعطل جارحة من جوارحك، ولا يحتاج منك إلى وقت، ولا إلى مجهود، وليس له وقت مخصوص، فمن ذكر الله قائما وذكر الله قاعدا وذكر الله على جنبه عد من الذاكرين - هذا بالنسبة لوضعك - ومن ذكر الله بكرة، وذكر الله أصيلا، أو غدوا وعشيا، أصبح من الذاكرين - هذا بالنسبة للزمان. ومن قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثلاثين مرة في اليوم كتب من الذاكرين، ومن استيقظ ليلا فأيقظ أهله، وصلى ركعتين فهو من الذاكرين. إذن: فذكر الله مسألة سهلة تستطيع أن تذكر الله، وأنت تعمل بالفأس، أو تكتب بالقلم، تذكر الله وأنت تأكل أو تشرب.. إلخ فذكر الله وإن كان أكبر إلا أنه على المؤمن سهل هين. وقوله تعالى: ﴿ وسبحوه بكرة وأصيلا ﴾ [الأحزاب: 42] التسبيح: هو التقديس، والتقديس هو التنزيه، فعن أي شيء ننزه الله؟ قالوا: ننزه الله في ذاته، وفي أفعاله، وفي صفاته، فالله تعالى له وجود، ولك أنت وجود، وللنهر وللجبل وجود، لكن وجوده تعالى ليس كوجود ما سواه، وجوده تعالى عن غير عدم، أما وجود ما سواه فوجود عن عدم، هذا في الذات. أما في الأفعال، فالله تعالى له فعل كما أن لك فعلا، لكن نزه ربك أن يكون فعله كفعلك، وهذا ما قلناه في حادثة الإسراء والمعراج، وفي الفرق بين سرى وأسرى به، فإذا كان الفعل لله تعالى فلا تنظر إلى الزمن لأنه ليس فعلك أنت، بل فعل الله، وفعل الله بلا علاج، إنما يقول للشيء: كن فيكون.

وقلنا: إنه حتى في طاقات البشر نجد الفعل يأخذ من الزمن على قدر قوة فاعله، فالولد الصغير ينقل في ساعة ما ينقله الكبير في دقيقة، فلو قست فعل الله بقدرته تعالى وجدت الفعل بلا زمن. كذلك ننزه الله في صفاته، فالله تعالى له سمع نزه أن يكون كسمعك، وله وجه نزه أن يكون كوجهك.. إلخ كل هذا في إطار

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. وحين تستعرض آيات التسبيح في القرآن تجدها كثيرة، لكن للتسبيح طابع خاص إذا جاء في استهلالات السور، ففي أول الإسراء:

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1]. فبدأت السورة بتنزيه الله لما تحتويه من أحداث عجيبة وغريبة لذلك قال بداية

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] فالله له التسبيح والتقديس ثابت قبل أن يفعل، وسبحان الله قبل أن يوجد المسبح، كما أنه تعالى خالق قبل أن يوجد من خلق، فهو بالخالقية فيه أولا خلق، كما قلنا في الشاعر: تقول فلان شاعر، هل لأنك سمعت له قصيدة أم هو شاعر قبل أن يقولها؟ هو شاعر قبل أن يقولها، ولولا أنه شاعر ما قال: والمتتبع لألفاظ التسبيح في القرآن يجد أنه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق المسبحين في قوله

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] ثم بعد أن خلق الله الخلق

سبح لله ما في السموات وما في الأرض..

[الحشر: 1]. وما يزال الخلق يسبح في الحاضر:

يسبح لله ما في السموات وما في الأرض..

[الجمعة: 1] فتسبيح الله كان وما يزال إلى قيام الساعة، لذلك يأمر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ومعه أمته ألا يخرج عن هذه المنظومة المسبحة، فيقول له:

سبح اسم ربك الأعلى

[الأعلى: 1]. وجاء الأمر بذكر الله وبعد الأمر بتسبيحه تعالى، وكأنه يقول لك كلما ذكرته: نزهه ذاتا وصفاتا وأفعالا، فمن مصلحتك في رحلة الحياة ألا يكون لله مثيل ولا شبيه ولا نظير ولا ند لأن الجميع سيكونون تحت عدله سبحانه، فتنزيه الله لمصلحتك أنت أيها المسبح. وسبق أن ذكرنا في ذلك قول أهل الريف اللي ملوش كبير يشتري له كبير فوجود كبير فوق الجميع يحميك أن يتكبر أحد عليك، إذن: عظمته تعالى وكبرياؤه من أعظم النعم علينا، فساعة تسبحه وتنزهه أحمد الله لأنه منزه، احمد الله أنه لا شريك له، وأن الناس جميعا عنده سواء، احمد الله لأن كلامه وأمره نافذ على الجميع، احمد الله أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب. وكيف لا نذكر الله ولا نسبحه ونحمده، وهو سبحانه الذي خلق الخلق، وقبل أن يخلقهم رتب لهم غاياتهم - والخلق: إيجاد على تقدير لغاية - بل وأعد لهم ما يخدمهم، فطرأ الإنسان على كون معد لاستقباله، فقبل أن يخلقه خلق له.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٧٦