" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به "
يعني: جزاؤه خارج المقرر كما قلنا. ومن عظمة تكليف الصوم أيضا أن الله تعالى أحل لنا أشياء، وحرم علينا أشياء أخرى تحريما أبديا، فالذي تحمل التكليف ألف الحلال ولم يألف ما حرم عليه، ورسخت هذه العقيدة في نفسه، حتى أن الحرام لا يخطر بباله أبدا، فلم يأت على باله مرة مثلا أن يشرب الخمر، أو يأكل الميتة، فهذه مسألة منتهية بالنسبة له، فأراد الله تعالى أن يديم لذة التكليف على البشر، ففرض الصوم الذي يحرم عليك اليوم ما كان محللا لك بالأمس ومألوفا حتى صار عادة.
إذن: هناك فرق بين دوام العادة ولذة العبادة، وتأمل مثلا يوم الفطر، والفطر عادة لك في غير هذا اليوم، وأنت حر تفطر أو لا تفطر، فإذا ما جاء يوم عيد الفطر أخرجك ربك من العادة إلى العبادة، وجعله تكليفا أن تفطر قبل الخروج للصلاة. ثم يقول تعالى: ﴿ والحافظين فروجهم والحافظات.. ﴾ [الأحزاب: 35] جاءت مسألة حفظ الفروج بعد ذكر الصيام لأن الصيام امتناع عن شهوتي البطن والفرج، شهوة البطن جعلها الله تعالى لحفظ الحياة بالطعام والشراب، وشهوة الفرج جعلها الله تعالى لحفظ النوع بالنكاح والتناسل. قلنا: إن الله تعالى أرضى السيدة أسماء رضي الله عنها الممثلة لجنس النساء، فذكر أنواع التكاليف مرة للمذكر، ومرة للمؤنث، لكنه راعى في ذلك ستر المرأة، وهنا أيضا يراعي هذه المسألة، فيقول: ﴿ والحافظين فروجهم والحافظات.. ﴾ [الأحزاب: 35] حينما تكلم عن المذكر قال ﴿ والحافظين فروجهم.. ﴾ [الأحزاب: 35] ولم يقل: والحافظات فروجهن لأن أمر النساء ينبغي أن يستر وأن يصان. ثم يقول سبحانه ﴿ والذاكرين الله كثيرا والذاكرات.. ﴾ [الأحزاب: 35] ويعود إلى مسألة الستر مرة أخرى في قوله: ﴿ أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾ [الأحزاب: 35] فقال لهم على سبيل التغليب، وستر المرأة في الرجل، وهذه مسألة مقصودة يراد بها شرف للمرأة، وصيانة لها، لا إهمالها كما يدعي البعض، ومن هذه الصيانة ما نقوله نحن عن المرأة: معي أهلي أو الأولاد أو الجماعة، ونقصد بذلك سترها وصيانتها لا إهمالها، أو التقليل من شأنها. فكأن الحق سبحانه حينما أرضى السيدة أسماء نيابة عن المرأة المسلمة، فذكر ما ذكر من جمع المؤنث الذي يقابل جمع المذكر، أراد أن يبني حول المرأة سياجا من الستر في كل شيء حتى في التكاليف. ونلحظ على سياق الآية هنا أيضا أنه قدم المغفرة على الأجر لأن القاعدة كما قلنا: إن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، والحق سبحانه يعد لعباده الأجر على الحسنة التي فعلوها، مع أنه سبحانه لا ينتفع منها بشيء إنما يعود نفعها على المكلف نفسه، فهو يستفيد بالطاعة وينال عليها الأجر في الآخرة. أما الحق سبحانه فغني عنا، وعن طاعتنا، واقرأ الحديث القدسي:
" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا ".
إذن: نحن المستفيدون من التكاليف، ففيها صلاحنا في الدنيا، ثم نأخذ عليها الأجر يوم القيامة. لذلك نجد الكثير من الرسل يقولون لأقوامهم:
ومآ أسألكم عليه من أجر..
[الشعراء: 109] كأنه يقول: الذي أؤديه لكم من تبليغ دعوة الله في عرف الاقتصاد والتبادل يقتضي أن آخذ عليه أجرا لأنني أؤدي لكم خدمة، لكن ماذا سآخذ منكم أيها العرايا وأجري عال لا يقدر عليه المكلف
إن أجري إلا على الله..
[يونس: 72] فهو وحده القادر على أن يجازيني بما أستحق. ووصف الأجر بأنه عظيم يدل على كبر في الحجم، ونفاسة في الصفات، وامتداد في الزمن، وهذه هي عناصر العظمة في الشيء، وأي أجر أعظم من أجر الله لعباده في الآخرة؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى... ﴾.