تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خود كأن بنانها في

نقشه الوشم المزرد

سمك من البللور في

شبك تكون من زبرجد

فهذه صورة تخيلية خاصة بالشاعر، وإلا فمن منا رأى سمكا من البللور في شبك من زبرجد؟ فللشاعر نظرته الخاصة للصور التي يراها، وسبق أن ذكرنا الصورة التي رسمها الشاعر للأحدب، فقال:

قصرت أخادعه وغاص قذاله

فكأنه متربص أن يصفعا

وكأنما صفعت قفاه مرة

فأحس ثانية لها فتجمعا

ومنذ القدم يعتبر الشعراء القلب محلا للحب وللمشاعر، لكن يخرج علينا هذا الشاعر بصورة أخرى جديدة من نسج خياله، فيقول:

خطرات ذكرك تستثير مودتي

فأحس منها في الفؤاد دبيبا

لا عضو لي إلا وفيه صبابة

فكأن أعضائي خلقن قلوبا

فمعنى: ﴿ اذكروا نعمة الله عليكم.. ﴾ [الأحزاب: 9] لا تمروا على النعم بغفلة لرتابتها عندكم، بل تذكروها دائما، واجعلوها في بؤرة شعوركم لذلك جعل الله الذكر عبادة، وهو عبادة بلا مشقة، فأنت حين تصلي مثلا تستغرق وقتا ومجهودا للوضوء وللذهاب للمسجد، كذلك حين تزكي تخرج من مالك، أما الذكر فلا يكلفك شيئا. لذلك في سورة الجمعة حينما يستدعي الحق سبحانه عباده للصلاة، يقول:

يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع..

[الجمعة: 9] فهنا حركتان: حركة إيجاب بالسعي إلى الصلاة، وحركة سلب بترك البيع والشراء، وكل ما يشغلك عن الصلاة. ثم يقول تعالى:

فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا..

[الجمعة: 10]. وفي موضع آخر قال:

ولذكر الله أكبر

[العنكبوت: 45] فإياك أن تظن أن الله يريد أن تذكره ساعة الصلاة فحسب، إنما اذكره دائما وأبدا، وإن كانت الصلاة لها ظرف تؤدى فيه، فذكر الله لا وقت له لذلك جعله الله يسيرا سهلا، لا مشقة فيه، لا بالوقت ولا بالجهد، فيكفي في ذكر الله أن تتأمل المرائي التي تمر بها ويقع عليها نظرك لترى فيها قدرة الله. والحق سبحانه يذكرنا بنعمه لأن النعمة بتواليها على النفس البشرية تتعود عليها النفس، ويحدث لها رتابة، فلا تلتفت إليها، فأنت مثلا ترى الشمس كل صباح، لكن قلما تتذكر أنها آية من آيات الخالق - عز وجل - ونعمة من نعمه لأنك تعودت على رؤيتها، وأصبحت رتيبة بالنسبة لك. كذلك يلفتنا الحق سبحانه إلى نعمه حين يسلبها من الآخرين، فحين ترى السقيم تذكر نعمة العافية، وحين ترى الأعمى تذكر نعمة البصر.. إلخ وساعتها ينبغي عليك أن تشكر المنعم الذي عافاك مما ابتلى به غيرك، إذن: فهذه الشواذ جعلها الله وسائل للإيضاح وتذكيرا للخلق بنعم الخالق. والنعمة وردت هنا مفردة، وكذلك في قوله تعالى:

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها

[إبراهيم: 34] وقد وقف أعداء الإسلام من المستشرقين أمام هذه الآية يعترضون على أن النعمة فيها مفردة، يقولون: فكيف تعد؟ وهذا الاعتراض منهم ناشئ عن عدم فهم لمعاني وأساليب القرآن. ونقول: الذي ترونه نعمة واحدة، لو تأملتم فيها لوجدتم بداخلها نعما متعددة تفوق العد لذلك استخدم القرآن هنا إن الدالة على الشك لأن نعم الله ليست مظنة العد والإحصاء كرمال الصحراء، هل تعرض أحد لعدها؟ لأنك لا تقبل على عد شيء إلا إذا كان مظنة العد، وإحصاء المعدود. لذلك، فالحق سبحانه يوضح لنا: إن حاولتم إحصاء نعم الله - وهذا لن يحدث - فلن تستطيعوا عدها، مع أن الإحصاء أصبح علما مستقلا، له جامعات وكليات تبحث فيه وتدرسه. ولك أن تأخذ نعمة واحدة من نعم الله عليك، ثم تتأمل فيها وفي عناصرها ومكوناتها وفوائدها وصفاتها، وسوف تجد في طيات النعمة الواحدة نعما شتى، فالتفاحة مثلا في ظاهرها نعمة واحدة، لكن في ألوانها ومذاقها وعناصر مكوناتها ورائحتها واختلاف وتنوع هذا كله نعم كثيرة. والحق سبحانه جعل نعمه عامة للمؤمن وللكافر لأنه سبحانه جعل لها أسبابا، من أحسن هذه الأسباب أعطته، حتى لو كان كافرا. ثم نلاحظ في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٣٨