تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا..

[المجادلة: 2] أي: كذبا لأن الزوجة لا تكون أما. فالحق سبحانه جاء بمتناقض، وأدخل فيه متناقضا آخر، فكما أن القلب الواحد لا تجتمع فيه طاعة الله وطاعة الكافرين والمنافقين، فكذلك الزوجة لا تكون أبدا أما، فهي إما أم، وإما زوجة. كذلك وجد عند العرب تناقض آخر في مسألة التبني، فكان الرجل يستوسم الولد الصغير، أو يرى فيه علامات النجابة فيتبناه، فيصير الولد ابنا له، يختلط ببيته كولده، ويرثه كما يرثه ولده، وله عليه كل حقوق الابن. وهذه متناقضة أيضا كالسابقة، فكما أن الرجل لا يكون له قلبان، وكما أن الزوجة لا تكون أما بحال، كذلك المتبنى لا يكون ولدا، فيقول سبحانه: ﴿ وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم.. ﴾ [الأحزاب: 4]. الدعي: هو الذي تدعى أنه ابن وليس بابن، وكان هذا شائعا عند العرب، وأراد الله سبحانه أن يبطل هذه العادة، ومثلها مسألة الظهار، فألغى القرآن هذه العادات، وقال: ضعوا كل شيء موضعه، فجعل للظهار كفارة، ونهى عن التبني بهذه الصورة. والحق سبحانه ساعة يريد أن يلغي حكما يقدم صاحب الدعوى نفسه ليطبق هو أمام الناس لذلك جعل سيدنا رسول الله يبدأ بنفسه، ويبطل التبني الذي عنده. تعلمون أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج من السيدة خديجة، وكان لها منزلة عند رسول الله، وقد اشترى لها حكيم بن حزام عبدا من سوق الرقيق هو زيد بن حارثة، وكان من بني كلب، سرقه اللصوص من أهله، وادعوا أنه عبد فباعوه، ثم أهدته السيدة خديجة لسيدنا رسول الله، فصار مولى لرسول الله، يخدمه طيلة عدة سنوات، وما بالكم بمن يكون في خدمة رسول الله؟ لقد أحب زيد رسول الله، وعشق خدمته، وقال عن معاملته صلى الله عليه وسلم له:

" لقد خدمت رسول الله عشر سنين، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء تركته لم تركته ".

وفي يوم من الأيام، رآه واحد من بني كلب في طرقات مكة، فأخبر أهله به، فأسرع أبو زيد إلى مكة يبحث عن ولده، فدلوه عليه، وأنه عند محمد، فذهب إلى سيدنا رسول الله، وأخبره خبر ولده، وطلب منه أن يعود معه إلى بني كلب. ولكن، ما كان رسول الله ليتخلى عن خادمه الذي يحبه كل هذا الحب، فقال لأبيه: خيره، فإن اختاركم فخذوه، وإن اختارني فأنا له أب، فلما خيروه - قال سيدنا زيد: والله ما كنت لأختار على رسول الله أحدا. عندها أحب رسول الله أن يكافئه على هذا الموقف، وعلى تمسكه بخدمته، فتبناه كما تتبنى العرب، وسموه بعدها: زيد بن محمد. فلما أراد الحق سبحانه أن يبطل التبني بدأ بمتبنى رسول الله، ليكون هو القدوة لغيره في هذه المسألة، فكيف أبطل الله تعالى هذه البنوة؟ كان سيدنا رسول الله قد زوج زيدا من ابنة عمته زينب بنت جحش، أخت عبدالله بن جحش، وقد تعب رسول الله في إقناع عبدالله وزينب بهذه الزيجة التي رفضتها زينب، تقول: كيف أتزوج زيدا وهو عبد وأنا سيدة قرشية؟ ثم تزوجته إرضاء لرسول الله، وعملا بقوله تعالى:

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..

[الأحزاب: 36]. لكنها بعد الزواج تعالت عليه، أنها من السادة، وهو من العبيد، فكره زيد ذلك، ولم يطق فأحب أن يطلقها، فذهب إلى رسول الله وشكا إليه ما كان من زينب، وعرض عليه رغبته في طلاقها. فقال له رسول الله: أمسك عليك زوجك، فعاوده مرة أخرى فقال له: أمسك عليك زوجك فعاوده زيد، عندها علم رسول الله أن رغبتهما في الطلاق، وكراهيتهما للحياة الزوجية أمر قدري، أراده الله لحكمة، ولأمر تشريعي جديد، شاء الله أن يوقع البغض بين زيد وزينب، فبغض زينب لزيد كان تعاليا واستكبارا، وبغض زيد لزينب كان اعتزازا بالنفس. ولكي يبطل الحق سبحانه تبني رسول الله لزيد قضى بأن يتزوج رسول الله من زينب بعد طلاقها من زيد، ومعلوم أن امرأة الابن تحرم على أبيه، فزواج سيدنا رسول الله من زينب يعني أن زيدا ليس ابنا لرسول الله، ويبطل عادة التبني، والأثر المترتب على هذه العادة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٢٨