تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك..

[الإسراء: 64]. إذن: فالمعنى استخفه: حمله على الخفة وأن يتحول عن الثبات الذي هو عليه. فالمعنى: إياك يا محمد أن يستفزك القوم، أو يخرجوك عن ثباتك، فتتصادم معهم، لكن ظل على ثباتك في دعوتك ولا تقلق لأن الله وعدك بالنصرة ووعد الله حق. والحق سبحانه ساعة يرخي العنان لمن كفر به إنما يريد أن يخرج كل ما عندهم حتى لا يبقى لهم عذر، ثم يقابلهم ببعض ما عنده مما يستحقون في الدنيا، والباقي سيرونه في الآخرة.

والله يقول:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173]. ومن سيرة الإمام علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه - علمنا أنه ابتلي بجماعتين: الخوارج الذين يكفرونه، والشيعة الذين يؤلهونه ويصلون به إلى درجة النبوة، حتى صدق فيه قول رسول الله:

" هلك فيك اثنان: محب غال، ومبغض قال ".

ويروى أنه - رضي الله عنه - كان يصلي يوما الفجر بالناس، فلما قرأ: ولا الضالين اقترب منه أحد الخوارج وقرأ:

ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين

[الزمر: 65] يريد أن يقول له: أنت كافر ولن يقبل منك عملك. وسرعان ما فطن علي لما أراده الرجل، فقرأ بعدها مباشرة: ﴿ فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ﴾ [الروم: 60] يعني: لن تخرجني عن ثباتي وحلمي ولن تستفزني. والعظمة في هذا الموقف أن يرد عليه لتوه بالقول الشافي من كتاب الله دون سابق إعداد أو ترتيب، ولم لا، وهو علي بن أبي طالب الذي أوتي باعا طويلا في البلاغة والفصاحة والحجة. ومعنى: ﴿ الذين لا يوقنون ﴾ [الروم: 60] من اليقين، وهو الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع، فيصير عقيدة في القلب لا تطفو إلى العقل لتناقش من جديد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٠٣