تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين

[الروم: 47]. ثم يسوق آية أخرى:

الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذآ أصاب به من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين * فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير

[الروم: 48-50]. ثم يذكر سبحانه ما كان منهم بعد كل هذه الآيات:

ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون

[الروم: 51]. وهكذا يذكر الحق سبحانه الآية، ويتبعها بما حدث منهم من نكران، ويكررها حتى لا تبقى لهم حجة للكفر، ثم تأتي هذه الآية: ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة.. ﴾ [الروم: 55] لتقول لهم: إن كنتم قد كذبتم بكل هذه الآيات، فستأتيكم آية لا تستطيعون تكذيبها هي القيامة. وعجيب أن يقسموا بالله في الآخرة ما لبثوا غير ساعة، وقد كفروا به سبحانه في الدنيا. وفي الآية جناس تام بين كلمة الساعة الأولى، والساعة الثانية، فاللفظ واحد لكن المعنى مختلف ﴿ ويوم تقوم الساعة.. ﴾ [الروم: 55] أي: القيامة ﴿ يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة.. ﴾ [الروم: 55] أي: من الوقت، ومن ذلك قول الشاعر:

رحلت عن الديار لكم أسير

وقلبي في محبتكم أسير

أي: مأسور. ولي أنا وزميلي الدكتور محمد عبد المنعم خفاجة - أطال الله بقاءه - قصة مع الجناس، ففي إحدى حصص البلاغة، قال الأستاذ: لا يوجد في القرآن جناس تام إلا في هذه الآية بين ساعة وساعة، لكن يوجد فيه جناس ناقص، فرفع الدكتور محمد أصبعه وقال: يا أستاذ أنا لا أحب أن يقال: في القرآن شيء ناقص. فضحك الشيخ منه وقال له: إذن ماذا نقول؟ وقد قسم أهل البلاغة الجناس إلى تام وناقص: الأول تتفق فيه الكلمتان في عدد الحروف وترتيبها وشكلها، فإن اختلف من ذلك شيء فالجناس بينهما ناقص، كما في قوله تعالى:

ويل لكل همزة لمزة

[الهمزة: 1] فبين همزة ولمزة جناس ناقص لأنهما اختلفا في الحرف الأول. أذكر أن الشيخ أشار إلي وقال: ما رأيك فيما يقول صاحبك؟ فقلت: نسميه جناس كل، وجناس بعض، يعني: تتفق الكلمتان في كل الحروف أو في بعضها، وبذلك لا نقول في القرآن: جناس ناقص. فقولهم ﴿ ما لبثوا غير ساعة.. ﴾ [الروم: 55] أي: الساعة الزمنية التي نعرفها، والزمن له مقاييس: ثانية، ودقيقة، وساعة، ويوم، وأسبوع، وشهر، وسنة، وقرن، ودهر، وهم يقصدون الساعة الزمنية المعروفة لنا.

إذن: فهم يقللون مدة مكثهم في الدنيا أو في القبور لما فاجأتهم القيامة، وقد أخبرناهم وهم في سعة الدنيا أن متاع الدنيا قليل، وأنها قصيرة وإلى زوال، فلم يصدقوا والآن يقولون: إنها كانت مجرد ساعة، ولم يقولوا حتى شهر أو سنة، فكيف تستقل ما سبق أن استكثرته، وظننت أنك خالد فيه حتى قلت

ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر..

[الجاثية: 24]. ففي الدنيا كذبتم وأنكرتم، ولم تستجيبوا لداعي الإيمان، أما الآن في الآخرة فسوف تستجيبون استجابة مصحوبة بحمده تعالى، كما قال سبحانه:

يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده..

[الإسراء: 52] أي: تقولون الحمد لله والإنسان لا يحمد إلا على شيء محبوب. ثم يقول سبحانه: ﴿ كذلك.. ﴾ [الروم: 55] أي: كهذا الكذب ﴿ كانوا يؤفكون ﴾ [الروم: 55] والإفك من أفك إفكا، أي: صرف الشيء عن وجهه لذلك سمي الكذب إفكا لأن الكاذب يخبر بقضية تخالف الواقع، فيأتي بها على غير وجهها، أو يوجدها وهي غير موجودة، أو ينكر وجودها. ومنه قوله تعالى:

والمؤتفكة أهوى

[النجم: 53] وهي القرى التي قلبها الله، فجعل عاليها سافلها. فقوله ﴿ كذلك.. ﴾ [الروم: 55] أي: كهذا الإفك كانوا يؤفكون، يعني: يكذبون الرسل في الحقائق التي جاءوا بها من قبل ربهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقال الذين أوتوا العلم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٩٥