كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها
[النازعات: 46]. قالوا: لأن الزمن يختلف بحسب أحوال الناس فيه، فواحد يتمنى لو طال به الزمن، وآخر يتمنى لو قصر، فالوقت الذي يجمعك ومن تحب يمضي سريعا وتتمنى لو طال، على خلاف الوقت الذي تقضيه على مضض مع من تكره، فيمر بطيئا متثاقلا. على حد قول الشاعر:
حادثات السرور توزن وزنا
والبلايا تكال بالقفزان
ويقول آخر:
ودع الصبر محب ودعك
ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن
زاد في تلك الخطى إذ شيعك
إلى أن يقول:
إن يطل بعدك ليلى فلكم
بت أشكو قصر الليل معك
ففي أوقات السرور، الزمن قصير، وفي أوقات الغم الزمن طويل ثقيل، ألم تسمع للذي يقول - لما جمع الليل شمله بمن يحب:
يا ليل طل يا نوم زل
يا صبح قف لا تطلع
كذلك الذي ينتظر سرورا يستبطىء الزمن، ويود لو مر سريعا ليعاين السرور الذي ينتظره، أما الذي يتوقع شرا أو ينتظره فيود لو طال الزمن ليبعده عن الشر الذي يخافه.
لذلك نجد المؤمنين يودون لو قصر الزمن لأنهم واثقون من الخير الذي ينتظرهم والنعيم الذي وعدوا به، أما المجرمون فعلى خلاف ذلك، يودون لو طال الزمن ليبعدهم عما ينتظرهم من العذاب لذلك يقولون ما لبثنا في الدنيا إلا قليلا ويا ليتها طالت بنا. إما لأنهم لا يدرون بالزمن ويقولون حسب ظنهم، أو لأنهم يريدون شيئا يبعد عنهم العذاب. إذن: أقسموا ما لبثوا غير ساعة، إما على سبيل الظن، أو لأن الغافل عن الأحداث لا يدري بالزمن، ولا يستطيع أن يحصيه، كالعزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه
قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم..
[البقرة: 259] فأخبره ربه أنه لبث مائة عام
قال بل لبثت مئة عام..
[البقرة: 259]. والذي لا شك فيه أن الله تعالى صادق فيما أخبر به، وكذلك العزير كان صادقا في حكمه على الزمن لذلك أقام الحق - سبحانه وتعالى - الدليل على صدق القولين فقال:
فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه..
[البقرة: 259] والطعام لا يتغير في يوم أو بعض يوم، فقام الطعام والشراب دليلا على صدق الرجل. ثم قال سبحانه
وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما..
[البقرة: 259]. فقامت العظام البالية دليلا على صدقه تعالى في المائة عام. ولا تقل: كيف نجمع بين صدق القولين؟ لأن الذي أجرى هذه المسألة رب، هو سبحانه القابض الباسط، يقبض الزمن في حق قوم، ويبسطه في حق آخرين. وهذه الآية ﴿ ويوم تقوم الساعة.. ﴾ [الروم: 55] جاءت بعد إعذار الله للكافرين برسله، ومعنى إعذارهم أي: إسقاط عذرهم في أنه سبحانه لم يبين لهم أدلة الإيمان في قمته بإله واحد، وأدلة الإيمان بالرسول بواسطة المعجزات حتى يؤمنوا بآيات الأحكام في: افعل، ولا تفعل. فالآيات كما قلنا ثلاث: آيات تثبت قمة العقيدة، وهو الإيمان بوجود الإله القادر الحكيم، وآيات تثبت صدق البلاغ عن الله بواسطة رسله، وهذه هي المعجزات، وآيات تحمل الأحكام. والحق سبحانه لا يطلب من المؤمنين به أن يؤمنوا بأحكامه في: افعل ولا تفعل إلا إذا اقتنعوا أولا بالرسول المبلغ عن الله بواسطة المعجزة، ولا يمكن أن يؤمنوا بالرسول المبلغ عن الله إلا إذا ثبت عندهم وجود الله، ووجود الله ثابت في آيات الكون. لذلك دائما ما يعرض علينا الحق سبحانه آياته في الكون، لكن يعرضها متفرقة، فلم يصبها علينا صبا، إنما يأتي بالآية ثم يردفها بما حدث منهم من التكذيب والنكران، فيأتي بالآية ونتيجتها منهم، ذلك ليكرر الإعذار لهم في أنه لم يعد لهم عذر في ألا يؤمنوا. فنلحظ هذا التكرار في قوله سبحانه:
ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون
[الروم: 46]. ثم يذكر أن هذه الآيات لم تجد معهم: