قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد
[فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن المستقبل للقرآن مختلف، فواحد يسمعه بأذن مرهفة وقلب واع فيستفيد، ويصل إلى حل اللغز في الكون وفي الخلق لأنه استجاب للروح الجديدة التي أرسلها الله له، وآخر أعرض. وهؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن إنما يخافون على مكانتهم وسيادتهم، فهم أهل فساد وطغيان، ويعلمون أن هذا المنهج جاء ليقيد حرياتهم، ويقضي على فسادهم وطغيانهم لذلك رفضوه. لذلك تجد أن الذين تصدوا لدعوات الرسل وعارضوهم هم السادة والكبراء، ألا تقرأ قول الحق سبحانه عن مقالتهم:
إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. إذن: لا تتعجب من أن القرآن يسمعه إنسان فيقول مستلذا به: الله، أعد، وآخر ينصرف عنه لا يدري ما يقول، والمنصرف عن القرآن نوعان: إما ينصرف عنه تكبرا يعني: وعي القرآن وفهمه لكن تكبر على الانصياع لأوامره، وآخر سمعه لكن لم يفهمه لأن الله ختم على قلبه. ومهمة الداعي أن يتعهد المدعو، وألا ييأس لعدم استجابته، وعليه بتكرار الدعوة له، لعله يصادف عنده فترة صفاء وفطرة، وخلو نفس، فتثمر فيه الدعوة ويستجيب. وإلا فقد رأينا من أهل الجاهلية من أسلم بعد فترة طويلة من عمر الدعوة أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة، وغيرهم. ونعلم كم كان عمر بن الخطاب كارها للإسلام معاديا لأهله، وقصة ضربه لأخته بعد أن أسلمت قصة مشهورة لأنها كانت سبب إسلامه، فلما ضربها وشجها حتى سال الدم منها رق قلبه لأخته، فلما قرأت عليه القرآن صادف منه قلبا صافيا، وفطرة نقية نفضت عنه عصبية الجاهلية الكاذبة فانفعل للآيات وباشرت بشاشتها قلبه فأسلم.
لذلك أمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجهر بالدعوة، وأن يصدع بما يؤمر، لعل السامع تصادفه فترة تنبه لفطرته، كما حدث مع عمر. وحين نلحظ الفاء في بداية هذه الآية ﴿ فإنك لا تسمع الموتى.. ﴾ [الروم: 52] نجد أن التقدير: فلا تحزن، ولا يهولنك إعراضهم لأنك ما قصرت في البلاغ، إنما التقصير من المستقبل لأنهم لم يقبلوا الروح السامية التي جاءتهم، بل نفروا من السماع، وتناهوا عنه، كما حكى القرآن عنهم:
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون
[فصلت: 26]. ونهى بعضهم بعضا عن سماع القرآن دليل على أنهم يعلمون أن من يسمع القرآن بأذن واعية لا بد أن يؤمن به وأن يقتنع. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين ﴾ [الروم: 52] وفي موضع آخر:
والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر..
[فصلت: 44] وقال أيضا:
صم بكم..
[البقرة: 18]. وقد علمنا من وظائف الأعضاء أن البكم يأتي نتيجة الصمم لأن اللسان يحكي ما سمعته الأذن، فإذا كانت الأذن صماء فلا بد أن يكون اللسان أبكم، ليس لديه شيء يحكيه. لذلك نجد الطفل العربي مثلا حين ينشأ في بيئة إنجليزية يتكلم الإنجليزية لأنه سمعها وتعلمها، بل نجد صاحب اللغة نفسه تعرض عليه الكلمات الغربية من لغته فلا يعرفها لماذا؟ لأنه لم يسمعها، فحين يقول العربي عن العجوز: إنها الحيزبون والدردبيس.. الخ تقول: ما هذا الكلام، مع أنه عربي لكن لم تسمعه أذنك. والأذن هي أداة الالتقاط الأولى لبلاغ الرسالة، وما دام الله تعالى قد حكم عليهم بأنهم في حكم الأموات، فالإحساس لديهم ممتنع، فالأذن لا تسمع آيات القرآن، والعين لا ترى آيات الكون ولا تتأملها. لذلك قال تعالى عنهم:
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46]. وكلمة أعمى نقولها للمبصر صحيح العينين حينما يخطىء في شيء، فتقول له: أنت أعمى؟ لماذا، لأنه وإن كان صحيح العينين، إلا أنه لم يستعملهما في مهمتهما، فهو والأعمى سواء. وهؤلاء القوم وصفهم الله بأنهم أولا في حكم الأموات، ثم هم مصابون بالصمم، فلا يسمعون البلاغ، وتكتمل الصورة بأنهم عمى لا يرون آيات الإعجاز في الكون، وليتهم صم فحسب، فالأصم يمكن أن تتفاهم معه بالإشارة فينتفع بعينيه إن كان مقبلا عليك، لكن ما الحال إذا كان مدبرا، كما قال تعالى: ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ [الروم: 52] يعني: أعطوك ظهورهم، إذن: لم يعد لهم منفذ للتلقي ولا للإدراك، فهم صم بكم، وبالإدبار تعطلت أيضا حاسة البصر، فلا أمل في مثل هؤلاء، ولا سبيل إلى هدايتهم.