تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر المؤمن له رب يلجأ إليه إن عزت عليه الأسباب، أما الكافر فما أشقاه، فإن ضاقت به الأسباب لا يجد صدرا حنونا يحتويه، فيلجأ في كثير من الأحوال إلى الانتحار. لذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يقوم إلى الصلاة، وكان يقول:

" ارحنا بها يا بلال "

ففي الصلاة تختلي بربك وخالقك، وتعرض عليه حاجتك، وتستمد منه العون والقوة. كذلك يعلمنا هذا الدرس نبي الله موسى - عليه السلام - فحينما خرج ببني إسرائيل وأدركه فرعون وقومه، فوجدوا أنفسهم محاصرين، البحر من أمامهم والعدو من خلفهم، قالوا لموسى ﴿ إنا لمدركون ﴾ [الشعراء: 61] وهذا منطق البشر وواقع الأشياء، لكن كان لموسى منطق آخر ينطلق فيه من وجود رب قادر يلجأ إليه في وقت الشدة فيفرجها عنه. فقال موسى بملء فيه كلا قالها على سبيل اليقين قولة الواثق من أن ربه لن يتخلى عنه، لم يقلها برصيد من عنده، إنما برصيد إيمانه في الله

إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62] وهذا هو المفزع لكل مؤمن. لم لا، وأنت إن كانت لديك قضية ترتاح إن وكلت فيها محاميا يدافع عنك، فما بالك إن وكلت رب الأرض والسماء، فكان هو سبحانه المحامي والقاضي والشاهد والمنفذ للحكم؟ وأنت ترى القاضي في الدنيا يحكم ببينة قد يدلس فيها ويحكم، ويحكم بإقرار لا يستطيع أن ينتزعه من صاحبه، أو بشهادة الشهود، وقد يكونون شهود زور، ثم هو بعد ذلك لا يملك تنفيذ حكمه، فهناك سلطة قضائية تحكم وسلطة تنفيذية تنفذ، حتى السلطة التنفيذية يستطيع المجرم أن يفلت منها. أما في محكمة العدل الإلهي، فقاضيها هو الحق - سبحانه وتعالى - فلا يحتاج إلى بينة أو إقرار أو شهود، ولا يستطيع أحد أن يدلس عليه سبحانه، أو أن يفلت من حكمه لذلك قال تعالى عن نفسه:

وهو خير الحاكمين

[الأعراف: 87]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولئن أرسلنا ريحا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٨٦