تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" فينبتون كما ينبت البقل ".

ففي هذه العظمة الصغيرة كل صفات الإنسان وخصائصه، ومنها يعود كما كان قبل الموت، كما نرى حبة السمسم مثلا، فهي رغم صغرها إلا أنها تحمل كل خصائص هذا النبات كلها، إذن: صغر الحجم دليل على القدرة، فإذا ما وضعت هذه الحبة الصغيرة في البيئة المناسبة تأخذ الغذاء من التربة ومن الهواء وتنمو وتكبر، وهذا النمو وهذا الكبر لا يعطي شخصية جديدة إنما الشخصية ثابتة، إنما يعطي تكبيرا لها فحسب. لذلك لما شرحوا الأرنب وجدوه صورة طبق الأصل من تشريح الإنسان، بمعنى أن فيه كل جوارح الإنسان وكل أجهزته، حتى البعوضة في حجمها الضئيل فيها كل الأجهزة، لكن أين جهازها الهضمي وجهازها الدموي وجهازها العصبي والسمبتاوي والبولي.. الخ، فدقة هذه المخلوقات دليل على القدرة. وفي حضارتنا الحالية نجد أن من علامات التقدم العلمي أن نصغر الكبير إلى أقصى درجة ممكنة، وانظر مثلا إلى الراديو أول ما اخترعوه كان في حجم النورج، أما الآن فهو في حجم علبة الكبريت. إذن: فالعظمة أن تضع كل الأجهزة في هذا الحجم الصغير، أو تجعلها كبيرة فوق العادة وفوق القدرة، كما في ساعة " بج بن " مثلا. لذلك نرى الخالق سبحانه خلق الشيء الدقيق المتناهي في الصغر، بحيث لا يدرك بالعين المجردة، ومع ذلك يحتوي على كل خصائص الشيء الكبير، وخلق من المخلوقات الضخم الذي لا تستطيع أن تحده. إذن: حينما ينمو الشيء لا يزداد خصائص جديدة، إنما تكبر عنده نفس الخصائص ونفس المشخصات الأصلية فيه. وسبق أن قلنا: لو أن إنسانا يزن مثلا مائة كيلو أصابه مرض والعياذ بالله أفقده نصف وزنه، نقول: أين ذهب هذا النقص؟ ذهب إلى فضلات نزلت منه لأن الإنسان ينمو حينما يكون الداخل إليه من الغذاء أكثر من الخارج منه من الفضلات، فإن تساوى يقف عند حد معين لا يزيد ولا ينقص. فإذا سخر الله لهذا المريض طبيبا يداويه، فإنه يستعيد عافيته إلى أن يعود إلى وزنه الطبيعي مائة كيلو كما كان، فهل عاد إليه ما فقده في نقص الوزن، أم عاد إليه مثله من عناصر الغذاء والتكوين؟ عاد إليه مثل الذي فقده.

إذن: فالشخصية هي هي باقية لا تتغير مع النقص أو الزيادة. كذلك فالشخصية أو الخصائص موجودة في هذا الميكروب الدقيق أو في هذه الحبة الصغيرة، إلى أن توضع في بيئتها المناسبة، فتعطي نفس الشخصية أو نفس الخصائص لنوعها، حتى قالوا: إن قدماء المصريين وضعوا مع الموتى بعض الحبوب، وحفظوها طوال آلاف السنين، بحيث إذا وضعت الحبة منها في التربة المناسبة فإنها تنبت. فإذا كان الإنسان يستطيع أن يستنبت الحبة بعد بضعة آلاف من السنين، أيكون عزيزا على الله أن يستنبت بذرة الإنسان، ويحيي الذرة الباقية منه في الأرض حين ينزل عليها المطر بأمره تعالى يوم القيامة؟ ثم إن الحبة الواحدة التي يستنبتها الإنسان تعطيه آلافا من نوعها، أما بذرة الإنسان والذرة الباقية منه فتعطي شخصا واحدا لا غير، أيصعب هذا على القدرة الإلهية. لذلك يحثنا الحق سبحانه على التأمل في قوله ﴿ فانظر.. ﴾ [الروم: 50] لا نظر عين، ولكن نظر تأمل وتعقل واستنباط، وربنا ينعى علينا الغفلة في التأمل، فيقول سبحانه:

وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون

[يوسف: 105]. ونسمي الجدل لإظهار الحقائق مناظرة، يناظر كل منا الآخر، لا نظر عين، ولكن نظر عقل واستنباط. ﴿ فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ إن ذلك لمحي الموتى.. ﴾ [الروم: 50] أي: الذي أحياها ﴿ لمحي الموتى.. ﴾ [الروم: 50] وما دام قد ثبتت له صفة الإحياء، فإذا أخبرك بأنه يحيي الموتى، فصدق وخذ مما شاهدته دليلا على ما غاب عنك. ثم يختم الحق سبحانه هذه الآية بصفة أخرى تؤكد صفة الخلق والإحياء ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ [الروم: 50] فغير أنه سبحانه حي ومحيي له سبحانه صفات الكمال، والقدرة على كل شيء علما وقدرة وحكمة وبسطا وقبضا ونفعا وضرا.. إلخ. فبعد أن ذكر الحدث في الفعل المضارع الدال على الاستمرار ﴿ يحي.. ﴾ [الروم: 50] ذكر الاسم الدال على ثبوت الصفة ﴿ لمحي.. ﴾ [الروم: 50] ثم جاء بكل صفات الكمال في ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ [الروم: 50]. يريد الله أن يبين أن الإنسان كنود، وأنه خلق جزوعا، إن مسه الشر يجزع، وإن مسه الخير يمنع، فلما كان يائسا من الهواء يهب عليه أرسل الله إليه الرياح، وبعد أن كان يائسا من قطرة الماء أنزل الله عليه المطر مدرارا، فهل أخذ في باله هذا العطاء، بحيث إذا أصابه يأس من شيء طلب فرجه من الله، وأزاح اليأس عن نفسه وقال: إن لي ربا ألجأ إليه، ولا ينبغي لي أن أقنط وهو موجود؟ فالذي فرج عليك من يأس الرياح ومن يأس المطر قادر أن يفرج عنك كل كرب لذلك ينبغي أن يكون شعار كل مؤمن: لا كرب وأنت رب، ما دام لك رب فلا تهتم ولا تيأس، فليست مع الله مشكلة المشكلة ألا يكون لك رب تلجأ إليه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٨٥