والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم..
[الطور: 21] إذن: ساعة تكلم عن الإيمان جاء بالمفرد، وساعة تكلم عن الجزاء جاء بصيغة الجمع.
كما أن العمل الصالح يأتي من ذات الإنسان، ويستقبله هو من غيره، وكلمة من هنا تصلح للمفرد وللمثنى وللجمع بنوعية، وتحل محل جميع الأسماء الموصولة تقول: من جاءك فأكرمه، ومن جاءتك فأكرمها، ومن جاءاك فأكرمهما، ومن جاءوك فأكرمهم.. الخ. كذلك في هذه الآية استعمل من للدلالة على المفرد، وعلى الجمع. وتأمل قوله تعالى:
فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم..
[النور: 61] وهل يسلم الإنسان على نفسه؟ قالوا: نعم لأن المؤمنين شيء واحد، إذا سلمت على أحدهم فكأنك سلمت على الجميع، وأيضا إذا قلت لصاحبك السلام عليكم يرد عليك: وعليكم السلام، فكأنك سلمت على نفسك. ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ [الروم: 44] مأخوذة من المهد، وهو فراش الطفل، والطفل لا يمهده ولا يسويه ويهيئه، ولا بد له من صدر حنون يسوي له مهده، ويفرشه ويعده، فكأن الذي يعمل الصالح في الدنيا يمهد لنفسه فراشا في الآخرة، كما يحكي أبو منصور بن حازم عن أبي عبد الله بن الحسين يقول: العمل الصالح يسبق صاحبه إلى الجنة ليمهد له فراشه، كما يمهد الخادم لأحدكم فراشه. لذلك سبق أن قلنا: إن الذين يؤثرون على أنفسهم يؤثرون من الفانية ليدخر لهم في الباقية، و
" سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أهديت له الشاة، وعاد ليسأل أم المؤمنين عائشة عنها فقال لها: " ماذا صنعت بالشاة؟ " فقالت: ذهبت كلها إلا كتفها، يعني: تصدقت بها إلا كتفها، فقال سيدنا رسول الله: " بل، بقيت كلها إلا كتفها ".
وفي حديث آخر:
" يا بن آدم، تقول: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأبقيت ".
والإمام علي رضي الله عنه يسأله أحدهم: أنا من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة؟ فقال الإمام: الجواب عندك أنت، فقال: كيف؟ قال: هب أنه دخل عليك شخص بهدية، وآخر يطلب منك صدقة فلأيهما تبش؟ إن كنت تبش لصاحب الهدية فأنت من أهل الدنيا وأن كنت تبش لطالب الصدقة فأنت من أهل الآخرة. ذلك لأن الإنسان يحب ما يعمر له محبوبه، فإن كان من أهل الدنيا يحب ما يعمرها له، وإن كان من أهل الآخرة يحب من يعمر له آخرته. ثم يعلل الحق سبحانه لماذا يمهدون لأنفسهم: ﴿ ليجزي الذين آمنوا... ﴾.