فما شهر السيف في الإسلام إلا لحماية بلاغ الدعوة، فإن تركوك وشأنك فدعهم، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام ظل بها أصحاب ديانات أخرى على دياناتهم، وهذا دليل على أن الإسلام لم يرغم أحدا على اعتناقه. لكن ما دام الإسلام قد فتح البلاد فلا بد أن تكون له الغلبة، وأن يسير الجميع معه في ظل منهج الله، فيكون للكافر ولغير ذي الدين ما لصاحب الدين. فكأن الحق سبحانه يريد لقوانينه أن تحكم آمنت به أو لم تؤمن لأن صلاح الكون لا يكون إلا بهذه القوانين. إذن: فأنت حر، تؤمن أو لا تؤمن، لكن مطلوب ممن آمن أن يحمي الدعوة في البلاغ، ثم يترك الناس أحرارا، من آمن فبها ونعمت، ومن أبى نقول له: لك ما لنا، وعليك ما علينا. إذن: فأصل الإيمان لصلاح الخلافة، ولا يهتم الله سبحانه بأنك تؤمن أو لا تؤمن، ما دام منهج الخلافة قائما، وهذا المنهج يعود نفعه على المؤمن وعلى الكافر، فإذا كان الإيمان يربي الإنسان على ألا يفعل إلا خيرا وصلاحا، فالكافر لا بد وأن يستفيد من هذا الصلاح. وهل قال الشرع للمؤمن: لا تسرق من المؤمن؟ لا إنما أيضا لا تسرق من الكافر.. الخ، فالكل أمام منهج الله سواء. وفي القرآن آية ينبغي أن نتنبه لها، ونعرف غير المؤمنين بها، ليعلموا أن الإيمان إنما يحمي مصلحة الناس جميعا، إنها قوله تعالى:
إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما * واستغفر الله..
[النساء: 105-106] يعني: إن خطر لك أن تكون لصالح الخائن، استغفر الله من هذا
إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما
[النساء: 107] ولو كان مؤمنا به. ولهذه الآية قصة مشهورة هي قصة اليهودي زيد بن السمين، وقد جاءه طعمة بن أبيريق - وكان مؤمنا - وقال: يا زيد خذ هذه الدرع أمانة عندك فقبله زيد، وإذا بالدرع مسروق قد سرقه ابن أبيريق من قتادة بن النعمان ووضعه في جوال من الدقيق، فكان على الدرع آثار الدقيق، فلما بحث ابن النعمان عن درعه دله أثر الدقيق على بيت ابن السمين اليهودي فاتهمه بسرقته. ثم جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم في أمره، فقص عليه ما كان من أمر ابن أبيريق، وأنه وضعه عنده على سبيل الأمانة. وعندها عز على المسلمين أن يسرق واحد منهم، وأن يأخذها اليهود ذلة في حقهم، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدير الأمر في رأسه، فإن حكم على المسلم أخذها اليهود حجة، وإن حكم للمسلم كانت عيبا وسبة في الدين، فأسعفه ربه بهذه الآية:
إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما
[النساء: 105] فقال: بين الناس لا بين المؤمنين فحسب. ومعنى
ولا تكن للخآئنين خصيما
[النساء: 105] البعض يقولون: لا تخاصم الخائن حتى لا يضطهدك، إنما المراد: لا تكن خصيما لصالحه.
واستغفر الله..
[النساء: 106] إن طرأت عليك مسألة الإسلام وصورته بين غير المسلمين لأن الله في مبدأ الإصلاح لا يحب كل خوان أثيم. ولو أن غير المسلمين تنبهوا إلى هذه القضية، وعلموا أن الله تعالى عدل الحكم للمؤمنين، وأعلنه لرسول الله، وقرر أن الحق هو الحق، والكل أمامه سواء المؤمن وغير المؤمن لعلموا أن الإسلام هو الدين الحق ولأقبلوا عليه، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" من عادى ذميا فأنا خصيمه يوم القيامة ".
لأنك إن عاديته واضطهدته أو هددته في حياته، أو في عرضه، أو في ماله لصارت حجة له في ألا يؤمن، وله أن يقول: إذا كان هذا هو حال المؤمنين، فما الميزة في الإسلام حتى أعتنقه؟ بل من مصلحتي أن أبتعد عنه، لكن إن عاملته بالحق وبالخير والحسنى لعطفته إلى الإسلام، وجعلته يؤنب نفسه ألا يكون مسلما. لذلك سبق أن قلنا: إن سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - جاءه رجل فاشتم منه أنه غير مسلم، فلما سأله قال: أنا مجوسي فرد الباب في وجهه، فانصرف الرجل، وإذا بإبراهيم - عليه السلام - يتلقى الوحي من الله: يا إبراهيم لم تقبل أن تضيفه لأنه على غير دينك، وأنا قبلته طوال عمره في ملكي وهو كافر بي. فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به واسترضاه، فقال الرجل: وماذا جرى لقد طردتني ونهرتني منذ قليل؟ فقال: إن ربي عاتبني في أمرك، فقال الرجل: إن ربا يعاتب أنبياءه بشأن أعدائه لحقيق أن يعبد. لا إله إلا الله، إبراهيم رسول الله. إذن: نفهم من هذا أن العمل الصالح هو مطلوب الإيمان، وإذا آمنت بإله لتأخذ الحكم منه وأنت مطمئن أنه إله حق، فلا يهم بعد ذلك أن تؤمن أو لا تؤمن المهم قاعدة الصلاح في الكون وفي حركة الحياة لذلك لم يقل ومن آمن فله إيمانه، كأن المراد بالإيمان العمل ﴿ ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ﴾ [الروم: 44] لأنه لا يعمل صالحا إلا إذا كان مؤمنا. ونلحظ هنا أن الآية تتحدث عن صيغة المفرد: ﴿ من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا.. ﴾ [الروم: 44] ثم يتحول إلى صيغة الجمع ﴿ فلأنفسهم يمهدون ﴾ [الروم: 44] ولم يقل: فهو يمهد لنفسه، فلماذا؟ قالوا: لأن الذي يعمل الصالح لا يعمله لذاته، إنما له ولذريته من بعده، كما جاء في قوله سبحانه: