تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر..

[الكهف: 79] فأثبت لهم ملكية وسماهم مساكين. أما الفقير فهو الذي لا شيء له، وعلى هذا فالفقير أحوج من المسكين، فيدخل في هذه الآية من باب أولى. وقوله تعالى: ﴿ ذلك.. ﴾ [الروم: 38] أي: الإيفاء لهؤلاء ﴿ خير.. ﴾ [الروم: 38] كلمة خير تطلق في اللغة، ويراد بها أحد معنيين: مرة نقول خير ويقابلها شر كما في قوله تعالى:

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

[الزلزلة: 7-8]، ومرة نقول: خير ونقصد الأخير كالأحسن أي: أفعل تفضيل، كما جاء في قول الشاعر:

زيد خيار الناس وابن الأخير

لكن الشائع أن تستعمل خير في أفعل التفضيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير "

فخير الأولى بمعنى أخير. لكن لمن؟ ﴿ للذين يريدون وجه الله.. ﴾ [الروم: 38] أي: في الوفاء بحق ذي القربى والمسكين وابن السبيل، يريد بذلك وجه الله، لا يريد رياء ولا سمعة لأن الذي يفعل خيرا يأخذ أجره ممن فعل من أجله، فمن عمل لله مخلصا فأجره على الله، ومن عمل للناس رياء وسمعة فليأخذ أجره منهم.

وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39] أي: فوجيء بوجود إله لم يكن في باله ولم يعمل من أجله. فمعنى ﴿ يريدون وجه الله.. ﴾ [الروم: 38] أي: يقصدون بعملهم وجه الله، سواء رآه الناس، أو أخفى عمله، حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه لأن الأمر قائم على النية، فقد تعطي أمام الناس ونيتك أن يتأسوا بك، أو لتكف عنك ألسنتهم وقدحهم في حقك. وحين تعطي علانية بنية خالصة لله فإنها صدقة مخصبة للعطاء، مخصبة للأجر لأنك ستكون أسوة لغيرك فيعطي، ويكون لك من الأجر مثله لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. والقرآن الكريم عرض علينا هذه القضية في قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر..

[البقرة: 264]. ثم يعطينا مثلا توضيحيا:

فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين

[البقرة: 264]. فمثل المرائي كهذا الحجر الناعم الأملس حين يصيبه المطر، وعليه طبقة من التراب يزيحها المطر، ويبقى هو صلدا ناعما لا يحتفظ بشيء، ولا ينبت عليه شيء. وهذا المثل يجسد لنا خيبة سعي المرائي، وأنه مغفل، سعى واجتهد فانتفع الناس بسعيه، وتعدى خيره إلى غيره، وخرج هو خالي الوفاض من الخير ومن الثواب. ثم يذكر الحق سبحانه المقابل:

ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير

[البقرة: 265]. فالصدقة ابتغاء وجه الله كالأرض الخصبة حين ينزل عليها المطر، فيأتي نباتها مضاعفا مباركا فيه، فإن لم يكم مطر كفاها الطل لتنبت وتؤتي ثمارها، ولو قال: كمثل جنة لكانت كافية لكنها

جنة بربوة..

[البقرة: 265] يعني: على مكان مرتفع ليدل على خصوبتها، فكلما كانت الأرض مرتفعة زادت خصوبتها، وخلت من المياه الجوفية التي تؤثر على النبات. وهذه الجنة تروى بالمطر يأتيها من أعلى، فيغسل الأوراق والغصون، فتزيد نضارتها وجودتها، والأوراق هي رئة النبات. والله تعالى يترك لآثار الذات في الناس تذكرة وعبرة، فواحد يفعل الخير بآخر ليشتريه به، أو ليخضع عنقه بهذا الجميل، فتكون النتيجة الطبيعية أن ينكر الآخر جميله، بل ويكرهه ويحقد عليه، وهذا جزاء وفاق لمن عمل العمل لغير وجه الله. وهو معنى قولهم: اتق شر من أحسنت إليه، لماذا؟ لأنه حين يراك يتذكر ما لك من يد عليه، وما لك من فضل، فيخزي ويشعر بالذلة لأن وجودك يدك كبرياءه لذلك يكره وجودك، ويكره أن يراك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٦٣