تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين

[الشعراء: 18]. نعم ربيتني وليدا، لكن الذي رباني ورباك هو الذي بعثني إليك، فأنا أبر المربي الأعلى قبل أن أبر بك، وفي هذا إشارة إلى أن عناية الله هي الأصل في تربية من تحب، فإياك أن تقول: ربيت ولدي حتى صار كذا وكذا، بل عليك بالأخذ بأسباب التربية، وتترك المربي الأعلى هو الذي يربي على الحقيقة. وهذا المعنى فطن إليه الشاعر، فقال:

إذا لم تصادف في بنيك عناية

فقد كذب الراجي وخاب المؤمل

فموسى الذي رباه جبريل كافر

وموسى الذي رباه فرعون مرسل

ثم يقول سبحانه: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ [الروم: 34] لأنه كفر ليتمتع بكفره في الدنيا لأن للإيمان مطلوبات صعبة تشق على النفس، فيأمرك بالشيء الثقيل على نفسك، وينهاك عن الشيء المحبب إليها، أما الأصنام التي عبدوها من دون الله وغيرها من الآلهة فلا مطلوب لها ولا منهج. لكنه متاع الحياة الدنيا ومتاع الدنيا قليل لأن الدنيا بالنسبة لك مدة بقائك فيها فلا تقل إنها ممتدة من آدم إلى قيام الساعة، فهذا العمر الطويل لا يعنيك في شيء، الذي يعنيك عمرك أنت. ومهما كان عمر الإنسان في الدنيا فهو قصير وتمتعه بها قليل، ثم إن هذا العمر القصير مظنون غير متيقن، فربما داهمك الموت في أي لحظة، ومن مات قامت قيامته. لذلك أبهم الحق - سبحانه وتعالى - الموت، ونثر أزمانه في الخلق: فهذا يموت قبل أن يولد، وهذا يموت طفلا، وهذا يموت شابا.

. الخ وإبهام الموت سببا وموعدا ومكانا هو عين البيان لأنه أصبح شاخصا أمام كل منا ينتظره في أي لحظة، فيستعد له. ونلحظ هنا أن الأسلوب القرآني عطف فعل الأمر ﴿ فتمتعوا.. ﴾ [الروم: 34] على الفعل المضارع ﴿ ليكفروا.. ﴾ [الروم: 34]، وفي موضع آخر قال سبحانه:

ليكفروا بمآ آتيناهم وليتمتعوا..

[العنكبوت: 66] فجعل التمتع ليس خاضعا لفعل الأمر، إنما للعلة: ليكفروا وليتمتعوا. لذلك اختلفوا حول هذه اللام. أهي للأمر أم للتعليل، ﴿ فسوف تعلمون ﴾ [الروم: 34] جاءت بعد ﴿ فتمتعوا.. ﴾ [الروم: 34] وهذه جاءت معطوفة على

ليكفروا..

[العنكبوت: 66] فكأنه قال: اكفروا وتمتعوا، لكن ستعلمون عاقبة ذلك. والذي جعلهم يقولون عن اللام هنا لام التعليل أنها مكسورة، أما لام الأمر فساكنة، فلما رأوا اللام مكسورة قالوا لام التعليل، أما الذي فهم المعنى منهم فقال: ما دام السياق عطف فعل الأمر فتمتعوا على المضارع المتصل باللام، فاللام للأمر أيضا، لأنه عطف عليها فعل الأمر، وهو هنا للتهديد. لكن، لماذا كسرت والقاعدة أنها ساكنة؟ قال أحد النحاة: لام الأمر ساكنة، ويجوز أن تكسر، واستشهد بهذه الآية

ليكفروا بمآ آتيناهم وليتمتعوا..

[العنكبوت: 66]. ونقول لمن يقول: إنها لام التعليل: إذا سمعت لام التعليل فاعلم أنها تعني لام العاقبة لأن الكفر والتمتع لم يكن سببا في إذاقة الرحمة. ويا من تقول لام الأمر سيقولون لك: لماذا كسرت؟ وفي القرآن شواهد كثيرة تدل على أنها قد تكسر، واقرأ قوله تعالى:

وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع..

[الحج: 28] فاللام هنا مكسورة لأنها لام التعليل. ثم قال بعدها:

ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق

[الحج: 29] فاللام سكنت لأنها لام الأمر. وفي آية أخرى جمعت اللامان:

لينفق ذو سعة من سعته..

[الطلاق: 7] فجاءت لام الأمر مكسورة لأنها في أول الجملة، ولا يبتدأ في اللغة بساكن، فحركت بالكسر للتخلص من السكون، ثم يقول سبحانه:

ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله..

[الطلاق: 7] فجاءت لام الأمر ساكنة لأنها واقعة في وسط الكلام. لذلك يجب أن يتنبه إلى هذه المسألة كتاب المصحف، وأن يعلموا أن كلام الله غالب، فقد فات أصحاب رسم المصحف أنه مبني من أوله إلى آخره على الوصل، حتى في آخر آيات سورة الناس وأول الفاتحة نقول ﴿ الذى يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس بسم الله الرحمن الرحيم.. ﴾. فآخر القرآن موصول بأوله، حتى لا ينتهي أبدا. وعليه فلا ترسم

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٥٧