فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون
[العنكبوت: 65]. فلماذا قال في الأولى ﴿ إذا فريق منهم.. ﴾ [الروم: 33] وفي الأخرى:
إذا هم يشركون
[العنكبوت: 65] فلم يستثن منهم أحدا؟ قالوا: لأن الآية الأولى تتكلم عن الذين دعوا الله في البر، والناس في البر عادة ما يكونون مختلفين، فيهم الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فهم مختلفون في رد الفعل، فالمؤمنون لما عاينوا النجاة ورحمة الله قالوا: الحمد لله الذي نجانا، أما المشركون فعادوا إلى كفرهم وعنادهم. أما الآية الأخرى فتتكلم عن الذين دعوا الله في البحر، وعادة ما نرى الذين يركبون البحر على شاكلة واحدة، وهم لا يركبونه كوسيلة للسفر، إنما للترف، كما نرى البعض يتخذ لنفسه يختا مثلا أو عوامة يجمع فيها أتباعه ومن هم على شاكلته، ولا بد أنهم يجتمعون على شيء يحبونه، فهم على مذهب واحد، وطريقة واحدة، وسلوك واحد. إذن: ما دام هؤلاء كانوا في البحر فلا بد أنهم كانوا مجرمين عتاة، وكانوا سواسية في الشرك وفي التخلي عن الله، بمجرد أن أمنوا الخطر، لذلك استخدم الأسلوب هنا ﴿ إذا.. ﴾ [الروم: 33] الفجائية واستخدمه في آية أخرى
إذا هم يشركون
[العنكبوت: 65] فبعد أن أنجاهم الله أسرعوا العودة إلى ما كانوا عليه من الشرك.
ففي هذه الآية الحق سبحانه يبين لنا حقيقة الإنسان، ومدى حرصه على جلب الخير لنفسه، فإن كان الخير الذي أعده الله له يبطره ويطغيه كما قال سبحانه:
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]. فإنه لا مناص له من أن يرجع إلى ربه حين ينفض الله عنه كل أسباب الخير، ويهدده في نفسه وفي ذاته التي لم تنتفع بآيات الله في الكون، فتظل في حضانة الله، فيأتي له بالضر الذي ينفض عنه كل أسباب البطر والأشر والاستعلاء. ولكنه لا يسلم نفسه للضر الذي يهلكه، بل عندها يتنبه أن له ربا يلجأ إليه، ولا يجد مفزعا في الكون إلا هو لأنه يعلم جيدا أن الذين أخذوه من الله فآمن بهم وكفر بالله لن ينفعوه بشيء لأنه عبد من دون الله آلهة لا تضر ولا تنفع. لذلك يقول تعالى:
وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه..
[الإسراء: 67] فهؤلاء الذين تدعونهم لا يعرفون طريقكم، وإن عرفوا لا يملكون أن يصلوا إليكم، أما أنا فربكم الأعلم بكم، والقادر على إغاثتكم، وإنزال الرحمة بكم. إذن: فهؤلاء المشركون أشركوا بالله في وقت الرخاء، أما في وقت الضيق والكرب فلن يخدع أحدهم نفسه، ولن يغشها لن يقول: يا هبل. لأنه يعلم أن هبل لا يسمعه ولا يجيبه، فلا ينفعه الآن، ولا ينجيه إلا الإله الحق، فقد ألجأته الضرورة أن يعترف به ويدعوه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ليكفروا بمآ آتيناهم... ﴾.