الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون
[الروم: 11] فيعيده غير ترجعون، ترجعون أي: في القيامة. وقوله ﴿ وهو أهون عليه.. ﴾ [الروم: 27] أي: على حسب فهمكم أنتم للأشياء، وإلا فالله تعالى لا يقال في حقه هذا سهل وهذا أسهل، ولا هين وأهون لأنه سبحانه لا يزاول الأشياء كما نزاولها نحن، ولا يعالج الأفعال، إنما يفعل سبحانه بكن فيكون. ومن ذلك قوله تعالى لزكريا عليه السلام لما تعجب أن يكون له ولد، وقد بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر:
هو علي هين..
[مريم: 9] ذلك لأن طلاقة القدرة لا تقف عند أسبابكم. وكذلك قال لمريم:
كذلك قال ربك هو علي هين..
[مريم: 21]. فالأمر عجيب في نظر مريم، أن تأتي بولد بدون زوج لكنه ليس عجيبا في قدرة الله، فإن كانت العادة أن يأتي الولد بالأسباب فالله سبحانه هو خالق الأسباب، يفعل ما يشاء بدونها. وسبق أن تحدثنا عن طلاقة قدرة الله في قصة إبراهيم عليه السلام حينما أراد القوم أن يحرقوه، فلو كانت المسألة مسألة نجاة إبراهيم من النار ما مكنهم الله من الإمساك به، أو: حتى إن أمسكوه وألقوه في النار كان بالإمكان أن ينزل الله على النار مطرا فتنطفىء. لكن الحق سبحانه يريد أن يسد على الكافرين منافذ الحجاج، ويبطل كفرهم، فهاهم قد ظفروا به وألقوه في قعر النار، وهي على حال الاشتعال والإحراق، لكنهم غفلوا عن شيء هام، هو أن الله تعالى رب هذه النار وخالقها وخالق قوة الإحراق فيها، وهو وحده القادر على أن يسلبها هذه الخاصية، فيلقى فيها نبيه إبراهيم دون أن يحترق.
وهنا تكمن العظمة وتظهر الحجة
قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]. ونلحظ فصاحة الأداء في ﴿ وهو الذي يبدؤا الخلق.. ﴾ [الروم: 27] فهو أسلوب قصر، حيث قدم المتعلق الذي حقه أن يكون مؤخرا، كما في
إياك نعبد..
[الفاتحة: 5] فقدم المفعول، ومن حق المفعول أن يؤخر عن الفعل والفاعل، وقدمه هنا، لنقصر العبادة على الله وحده دون سواه، وحتى لا نعطف على الله تعالى شيئا، فلو قلت نعبدك لجاز أن تقول: ونعبد غيرك، كذلك هنا ﴿ وهو الذي يبدؤا الخلق.. ﴾ [الروم: 27] أفادت تخصيص الخلق لله وحده دون أن نعطف عليه أحدا. وقوله تعالى ﴿ وهو أهون عليه.. ﴾ [الروم: 27] الحقيقة ليس في الأمور بالنسبة لله تعالى هين وأهون، إنما في عرفنا نحن، وليقرب لنا الحق سبحانه فهم المسائل، وإلا فالحق سبحانه لا يعالج الأمور ولا يزاولها كما نعالجها نحن، وإنما يفعل سبحانه بكن فيكون. لذلك لما نتأمل قول مريم عليها السلام لما بشرتها الملائكة بالمسيح قالت:
رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر...
[آل عمران: 47] فكيف فهمت مريم هذه المسألة، ومن أخبرها بأن الولد سيكون دون أن يمسها بشر؟ لقد فهمت مريم هذا من قول الملائكة
إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم..
[آل عمران: 45]. فلو كان له أب لذكرته الملائكة، وما داموا قد نسبوه إلى أمه فلا أب له. ثم يقول سبحانه: ﴿ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض.. ﴾ [الروم: 27] له المثل الأعلى يعني: أن الله تعالى لا مثيل له، فإن شابهه سبحانه شيء من خلقه في صفة من الصفات فخذها في إطار التقريب للمعنى، وفي إطار
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11] فلك وجود ولله تعالى وجود، لكن وجودك ليس كوجود الله، أنت حي والله حي، لكن حياتك ليست كحياته عز وجل.. وهكذا. وقوله ﴿ المثل الأعلى.. ﴾ [الروم: 27] نقول: عال وأعلى، فهي أفعل تفضيل بمعنى: الذي لا يشابه ولا يضاهي لذلك يقول سبحانه
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 1] فينفي أن يوجد شبيه لمثل الله لا شبيه لله لأن الكاف هنا بمعنى: مثل. فكأنك قلت: ليس مثل مثله شيء. وطريقة العرب في الأداء في مسألة المشابهة يقولون: زيد مثل الأسد في الشجاعة، فأنت تريد أن تعطيني صورة لشجاعة زيد، فذكرت أوضح شيء لهذه الصفة وهو الأسد، فهو مشبه به. إذن: فالأسد أقوى من زيد في هذه الصفة، وإلا لما جعلت المشبه به توضيحا لما لا تعلم.