تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى

[العلق: 6-7]. لذلك يذكره ربه تعالى بالمقابل: فأنا كما أخرج الحي من الميت أخرج الميت من الحي فانتبه، وإياك أن تتعالى أو تتكبر، وافهم أن الحياة موهوبة لك من ربك يمكن أن يسلبها منك في أي لحظة. وعبر عن هذا المعنى مرة بالفعل المضارع يخرج الدال على الاستمرار والتجدد، ومرة باسم الفاعل مخرج الدال على ثبوت الصفة وملازمتها للموصوف، لا مجرد حدث عارض. لذلك تأمل قول الله تعالى:

تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا..

[الملك: 1-2] وفي نظرنا أن الحياة تسبق الموت، لكن الحق سبحانه يريد أن يقتل في الإنسان صفة الاغترار بالحياة، فجعله يستقبل الحياة بما يناقضها، فقال

الذي خلق الموت والحياة..

[الملك: 2]. فقدم الموت على الحياة، فقبل أن تفكر في الحياة تذكر الموت حتى لا تغتر بها ولا تطغى. ويتجلى هذا المعنى أيضا في سورة الواقعة:

أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين

[الواقعة: 58-60]. يعني: خذوا بالكم، وافهموا أنني واهب الحياة، وأستطيع أن أسلبها فلا تغتر بها ولا تتفرعن، وكأن الحق سبحانه يريد أن يدك في الإنسان صفة الكبرياء والتعالي، فيحدث هذه المقابلة دائما بين ذكر الحياة في آيات القرآن الكريم. ثم ألا ترى أن الخالق سبحانه لم يجعل للموت سببا من أسباب العمر والسنين، فواحد يموت قبل أن يولد، وواحد يموت بعد يوم أو بعد شهر، وآخر يموت بعد عدة أعوام، وآخر بعد مائة عام.

إذن: مسألة لا ضابط لها إلا أقدار الله وأجله الذي أجله سبحانه، وفي هذا إشارة للإنسان: احذر فقد تسلب منك الحياة التي تنشأ منها غرورك في أي لحظة، ودون أن تدري ودون سابق إنذار أو مقدمات، فاستقم إذن على منهج ربك، ولا تجترىء على المعصية لأنك قد تموت قبل أن تتدارك نفسك بالتوبة. لذلك يقولون: إن الحق سبحانه حين أبهم وقت الموت بينه بالإبهام غاية البيان، كيف؟ قالوا: لأنه سبحانه لو حدد لك موعد الموت لكنت تستعد له قبل أوانه، إنما حين أبهمه جعلك تستعد له كل لحظة من لحظات حياتك. ثم يقول سبحانه: ﴿ ويحي الأرض بعد موتها.. ﴾ [الروم: 19] وفي موضع آخر:

وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج

[الحج: 5]. فالأرض كانت ميتة هامدة جامدة جرداء، لا أثر فيها لحياة، فلما نزل عليها الماء وسقاها المطر تحركت وأنبتت من كل زوج بهيج، فهي نموذج حي مشاهد للخلق وللحياة. وفي آية أخرى:

ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة..

[الحج: 63] فهل اخضرت الأرض ساعة نزل عليها المطر؟ لا، إنما بعد فترة، كأنه سبحانه يقول لك: لاحظ الحدث ساعة يوجد، واستحضر صورته، فبعد نزول الماء ترى الأرض تخضر تدريجيا، وإن لم تبذر فيها شيئا، ففيها بذور شتى حملتها الرياح، ثم استقرت في التربة ولو لسنوات طوال تظل صالحة للإنبات تنتظر الماء لتؤدي مهمتها. والذي عاش في الصحراء يشاهد هذه الظاهرة، وقد رأيناها في عرفة بعد أن نزل عليها المطر، وعدنا بعد عدة أيام، فإذا الأرض تكتسي باللون الأخضر. لذلك إياك أن تظن أن كل زرع زرعه الإنسان، وإلا فمن أين جاءت أول بذرة زرعها الإنسان. إذن: هناك زراعات لا دخل للإنسان بها. ولنقرأ قصة مريم عليها السلام:

يمريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نسآء العالمين

[آل عمران: 42] فالاصطفاء الأول لم يقل على من. فالمعنى: اصطفاك على الخلق جميعا، بأن طهرك وجعلك صالحة تقية قوامة.. إلخ. أما الاصطفاء الآخر فليس على الخلق جميعا، إنما على النساء لأنها تفردت عن نساء العالمين بأن تلد بغير ذكورة. والشاهد الذي نريده هنا أن يوسف النجار لما لاحظ على مريم علامات الحمل وهو يعلم من هي مريم، وأنها لم تفارق المحراب طوال عمرها، فلم يرد على ذهنه المعنى الثاني، ويريد أن يستفهم عما يراه، فسألها بأدب: يا مريم، أتوجد شجرة بدون بذرة؟ فقالت وقد لقنها الحق سبحانه: نعم، الشجرة التي أنبتت أول بذرة. إذن: الحق سبحانه يمتن علينا بالشيء، ثم يذكرنا بقدرته تعالى على سلبه، وعلى نقيضه حتى لا نغتر به، ليس في مسألة الموت والحياة فحسب، إنما في الزرع وفي الماء وفي النار، واقرأ قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٢٤