تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] وفي أول سورة الحديد:

سبح لله ما في السماوات والأرض..

[الحديد: 1] ثم

يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض..

[الجمعة: 1]. فكأن الله تعالى مسبح أزلا قبل أن يخلق من يسبحه، فالتسبيح ثابت لله أولا، وبعد ذلك سبحت له السماوات والأرض، ولم ينقطع تسبيحها، إنما ما زالت مسبحة لله. فإذا كان التسبيح ثابتا لله تعالى قبل أن يخلق من يسبحه، وحين خلق السماوات والأرض سبحت له السماوات والأرض وما زالت، فعليك أنت أيها الإنسان ألا تشذ عن هذه القاعدة، وألا تتخلف عن هذه المنظومة الكونية، وأن تكون أنت كذلك مسبحا لذلك جاء في القرآن:

سبح اسم ربك الأعلى

[الأعلى: 1]. فاستح أنت أيها الإنسان، فكل شيء في الوجود مسبح

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..

[الإسراء: 44]. لكن أراد بعض العلماء أن يقرب تسبيح الجمادات التي لا يسمع لها صوتا ولا حسا، فقال: إن تسبيحها تسبيح دلالة على الله. ونقول: إن كان تسبيح دلالة كما تقول فقد فهمته، والله يقول

ولكن لا تفقهون تسبيحهم..

[الإسراء: 44]. إذن: ففهمك له غير حقيقي، وما دام أن الله أخبر أنها تسبح فهي تسبح على الحقيقة بلغة لا نعرفها نحن، ولم لا والله قد أعطانا أمثلة لأشياء غير ناطقة سبحت؟ ألم يقل عن الجبال أنها تسبح مع داود عليه السلام:

يجبال أوبي معه والطير..

[سبأ: 10] ألم يثبت للنملة وللهدهد كلاما ومنطقا؟ وقال في عموم الكائنات:

كل قد علم صلاته وتسبيحه..

[النور: 41]. إذن: فالتسبيح لله تعالى من كل الكائنات، والحق سبحانه يعطينا المثل في ذواتنا: فأنت إذا لم تكن تعرف الإنجليزية مثلا، أتفهم من يتكلم بها؟ وهي لغة لها أصوات وحروف تنطق، وتسمعها بنفس الطريقة التي تتكلم أنت بها. لذلك تأتي كلمة سبحان الله في الأشياء التي يجب أن تنزه الله فيها، واقرأ إن شئت قوله تعالى في الإسراء:

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] كأنه سبحانه يقول لنا: نزهوا الله عن مشابهة البشر، وعن قوانين البشر في هذه المسألة، إياك أن تقول: كيف ذهب محمد من مكة إلى بيت المقدس، ثم يصعد إلى السماء، ويعود في ليلة واحدة. فبقانون البشر يصعب عليك فهم هذه المسألة، وهذا ما فعله كفار مكة حيث قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا، وتدعي أنك أتيتها في ليلة؟ فقاسوا المسألة والمسافات على قدرتهم هم، فاستبعدوا ذلك وكذبوه. ولو تأملوا الآية

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] وهم أهل اللغة لعرفوا أن الإسراء لم يكن بقوة محمد، فلم يقل أسريت، ولكن قال:

" أسري بي "

، فلا دخل له في هذه المسألة وقانونه فيها ملغى، إنما أسرى بقانون من أسرى به. إذن: عليك أن تنزه الله عن قوانينك في الزمان وفي المسافة، وإن أردت أن تقرب هذه المسألة للعقل، فالمسافة تحتاج إلى زمن يتناسب مع الوسيلة التي ستقطع بها المسافة، فالذي يسير غير الذي يركب دابة، غير الذي يركب سيارة أو طائرة أو صاروخا وهكذا.

فإذا كان في قوانين البشر: إذا زادت القوة قل الزمن، فكيف لو نسبت القوة إلى الله عز وجل؟ عندها نقول: لا زمن فإن قلت: إن ألغينا الزمن مع قوة الله وقدرته تعالى، فلماذا ذكر الزمن هنا وقدر بليلة؟ قالوا: لأن الرحلة لم تقتصر على الذهاب والعودة، إنما تعرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم لمراء كثيرة، وقابل هناك بعض الأنبياء، وتحدث معهم، فهذه الأحداث لرسول الله هي التي استغرقت الزمن، أما الرحلة فلم تستغرق وقتا. كذلك جاءت كلمة سبحان في قوله تعالى:

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

[يس: 36] لماذا؟ لأن مسألة الخلق من المسائل التي يقف عندها العقل، وينبغي أن ننزه الله عن أن يشاركه فيها أحد. ولما نزلت هذه الآية كان الناس يعرفون الزوجية في النبات لأنهم كانوا يلقحون النخل، ويعرفونها في الإنسان لأنهم يتزوجون وينجبون، وكذلك يعرفونها في الحيوان، هذه حدود العقل في مسألة الزوجية. لكن الآية لم تقتصر على ذلك، إنما قال سبحانه

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٢١