لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..
[غافر: 57]. لماذا؟ لأن الإنسان قد يموت قبل أن يولد، ويموت بعد عدة سنوات، أو حتى بعد مئات السنين، أما السماوات والأرض بما فيهما من أرض وسماء وشمس وقمر.. إلخ فهي كما هي منذ خلقها الله لم تتغير، وهي تؤدي مهمتها دون تخلف، ودون صيانة، ودون أعطال، فهي بحق أعظم من خلق الناس وأكبر. إذن: الآيات والأدلة في أنفسكم وفي السماوات والأرض، لكن أيهما الآية الأقوى؟ قالوا: ما دامت السماوات والأرض أكبر من خلق الناس فهي الأقوى، فإن لم تقنع بها فانظر في نفسك لذلك يقول العلماء بالمفيد والمستفيد، المفيد هو الله - عز وجل - فحينما يضرب لي مثلا يضرب لي بالأقوى، فإن لم أطقه يأتي لي بالأقل، والمستفيد هو الذي ينتقل من الأقل للأكبر. ومعنى ﴿ وما بينهمآ.. ﴾ [الروم: 8] أي: من الكواكب والأفلاك والنجوم التي نشاهدها في جو السماء، وكانوا في الماضي لما أرادوا أن يقربوا أمور الدين لعقول الناس يقولون: الكواكب السبعة هي السماوات السبع، ووقع فيها علماء كبار، لكن الحقيقة أن هذه الكواكب السبعة كلها دون السماء الدنيا، واقرأ قول الله تعالى:
وزينا السمآء الدنيا بمصابيح..
[فصلت: 12]. فأين السماء من الكواكب التي نشاهدها؟! أتعلم كم ثانية ضوئية بينك وبين الشمس، أو بينك وبين القمر؟ بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وبيننا وبين المرأة المسلسلة مائة سنة ضوئية، وبيننا وبين المجرة مليون سنة ضوئية.
ولك أن تضرب مليون سنة في 365 يوما، وتضرب الناتج في 24 ساعة، وتضرب الناتج في ستين دقيقة، ثم في ستين ثانية، ثم تضرب الناتج من ذلك في 300 ألف كيلو، ثم تأمل الرقم الذي وصلت إليه. وما أسكت القائلين بأن الكواكب السبعة هي السماوات السبع إلا أن العلماء اكتشفوا بعدها كوكبا جديدا حول الشمس، وبعد سنوات اكتشفوا آخر. كذلك حين صعد رواد الفضاء إلى سطح القمر أسرع هؤلاء الفلاحسة يقولون: لقد سبق القرآن، وأخبر بهذا في قوله تعالى:
يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان
[الرحمن: 33]. وقالوا: إن السلطان هو سلطان العلم الذي مكننا من اعتلاء سطح القمر، وعجيب أن يقول هذا الكلام علماء كبار، فأين القمر من السماء؟ القمر ما هو إلا ضاحية من ضواحي الأرض كمصر الجديدة بالنسبة للقاهرة، ثم إن كان السلطان هنا هو سلطان العلم، فماذا تقولون في قوله تعالى بعدها:
يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران
[الرحمن: 35]. لقد حدث هذا التخبط نتيجة الخلط بين علوم الدين والشريعة، وبين علوم الكونيات، وهذه آفة علماء الدين أن يتدخلوا فيما لا علم لهم به، فالكونيات يؤخذ منها الدليل على عظمة الصانع وقدرته سبحانه، إنما لا يؤخذ منها حكم شرعي. ورأينا من هؤلاء من ينكر كروية الأرض، وأنها تدور حول الشمس، ومنهم من ظن أن علماء الكونيات - مع أنهم كفرة - يعلمون الغيب لأنهم توصلوا بحسابات دقيقة لحركة الأرض إلى موعد الخسوف والكسوف، وجاء الواقع وفق ما أخبروا به بالضبط. وهذه المسألة - كما سبق أن قلنا - ليست من الغيب المطلق، بل من الغيب الذي أعطانا الله المقدمات التي توصل إليه، وقد توصل العلماء إليه بالبحث ودراسة معطيات الكون، ونفهم هذا في ضوء قوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..
[فصلت: 53]. وهذه أيضا من الآيات التي تقدم فيها أدلة السماوات والأرض على أدلة النفس. إذن: فالكونيات تبنى على علوم ودراسات، لا دخل للدين بها، الدين جاء ليقول لك: افعل كذا، ولا تفعل كذا، ثم ترك الكونيات إلى أن تتسع العقول لفهمها. وقوله سبحانه: ﴿ إلا بالحق.. ﴾ [الروم: 8] لأن السماوات والأرض وما بينهما من الكواكب والأفلاك تسير على نظام ثابت لا يتخلف، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبدا، وتأمل حركة الكواكب والأفلاك تجد أنها تسير وفق نظام دقيق منضبط تماما. فالشمس لم تتخلف يوما فتقول مثلا: لن أطلع اليوم على هؤلاء الناس لأنهم ظالمون، لأن لها قانونا تسير به، وهي مخلوقة بحق ثابت لا يتغير، وما دامت هذه الكونيات خلقت بحق وبشيء ثابت فلك أن ترتب عليها حساباتك وتضبط بها وقتك، وأنت لا تضبط وقتك على ساعة إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة.