تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد "

وقد تبين بعد الهجرة إليها صدق رسول الله، وكأنه على علم تام بالبيئة المحيطة به وبأحوال أهلها. لذلك لم يأمرهم مثلا بالهجرة إلى أطراف الجزيرة العربية لأنها كانت خاضعة لقريش بما لها من سيادة على الكعبة، فلا يستطيع أحد أن يحمي من تطلبه قريش، حتى الذين هاجروا بدينهم إلى الحبشة لم يسلموا من قريش، فقد أرسلت إلى النجاشي من يكلمه في شأنهم، وحملوا إليه الهدايا المغرية ليسلمهم المهاجرين من المؤمنين بمحمد، لكن لم تفلح هذه الحيلة مع الملك العادل الذي راود الإيمان قلبه، فأحب المؤمنين ودافع عنهم ورفض إعادتهم ويقال: إنه آمن بعد ذلك، ولما مات صلى عليه رسول الله. أما الهجرة إلى المدينة بعد الهجرة إلى الحبشة فكان لدار أمن وإيمان معا، حيث تأمن فيها على دينك، وتتمكن فيها من نشره والدعوة إليه، وتجد بها إخوانا مؤمنين يواسونك بأموالهم، وبكل ما يملكون، وقد ضرب الأنصار في مدينة رسول الله أروع مثل في التاريخ في المواساة، فالأنصاري كان يرى أخاه المهاجر ترك أهله في مكة، وله إربة وحاجة للنساء، فيطلق له إحدى زوجاته ليتزوجها، فانظر ماذا فعل الإيمان بالأنصار. وفي قوله سبحانه ﴿ فإياي فاعبدون ﴾ [العنكبوت: 56] أسلوب يسمونه أسلوب قصر، مثل قوله تعالى:

إياك نعبد وإياك نستعين

[الفاتحة: 5]. وفرق بين أن نقول: نعبدك. وإياك نعبد: نعبدك لا تمنع أن نعبد غيرك، أما إياك نعبد فتقصر العبادة على الله - عز وجل - ، ولا تتجاوزه إلى غيره. فالمعنى - إذن: إن كنت ستهاجر فلتكن هجرتك لله، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:

" فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ كل نفس ذآئقة الموت... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٨٢