ثم تأمل قوله تعالى:
فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل..
[البقرة: 91] بالله لو جاءت هذه الآية بدون كلمة من قبل ألا يدخل في روع رسول الله أنهم ربما يجترئون عليه فيقتلوه، فيتهيب منهم، أو يدخل في نفوسهم هم، فيجترئون عليه كما قتلوا الأنبياء من قبل لذلك جاءت الآية لتقرر أن هذا كان في الماضي، أما الآن فلن يحدث شيء من هذا أبدا، ولن يمكنكم الله من نبيه. وكلمة ﴿ وما كنت.. ﴾ [العنكبوت: 48] تكررت كثيرا في كتاب الله، ويسمونها ماكنات القرآن وفيها دليل على أن القرآن خرق كل الحجب في الزمن الماضي، والحاضر، والمستقبل. كما في قوله تعالى:
وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر..
[القصص: 44]. وقوله تعالى:
وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا..
[القصص: 45]. وقوله تعالى:
وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم..
[آل عمران: 44]. وهنا: ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك.. ﴾ [العنكبوت: 48]. لذلك وصفه ربه - عز وجل - بأنه
الرسول النبي الأمي..
[الأعراف: 157] وإياك أن تظن أن الأمية عيب في رسول الله، فإن كانت عيبا في غيره، فهي فيه شرف لأن معنى أمي يعني على فطرته كما ولدته أمه، لم يتعلم شيئا من أحد، وكذلك رسول الله لم يتعلم من الخلق، إنما تعلم من الخالق فعلت مرتبة علمه عن الخلق. ومن ذلك المكانة التي أخذها الإمام علي - رضي الله عنه - في العلم والإفتاء حتى قال عنه عمر رضي الله عنه - مع ما عرف عن عمر من سداد الرأي حتى إن القرآن لينزل موافقا لرأيه، ومؤيدا لقوله - يقول عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. لماذا؟ لأنه كان صاحب حجة ومنطق وصاحب بلاغة، ألم يراجع الفاروق في مسألة المرأة التي ولدت لستة أشهر من زواجها، وعمر يريد أن يقيم عليها الحد لأن الشائع أن مدة الحمل تسعة أشهر فتسرع البعض وقالوا: إنها سبق إليها، لكن يكون للإمام على رأي آخر، فيقول لعمر: لكن الله يقول غير هذا، فيقول عمر: وما ذاك؟ قال: ألم يقل الحق سبحانه وتعالى:
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين..
[البقرة: 233] قال: بلى. قال: ألم يقل:
وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..
[الأحقاف: 15] وبطرح العامين من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر، فإذا ولدت المرأة لستة أشهر، فهذا أمر طبيعي لا ارتياب فيه. وفي يوم دخل حذيفة على عمر رضي الله عنهما - فسأله عمر: كيف أصبحت يا حذيفة؟ فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين، أصبحت أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فغضب عمر، وهم أن يضربه بدرة في يده، وعندها دخل علي فوجد عمر مغضبا فقال: مالي أراك مغضبا يا أمير المؤمنين؟ فقص عليه ما كان من أمر حذيفة، فقال علي: نعم يا أمير المؤمنين يحب الفتنة لأن الله تعالى قال:
إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة..
[التغابن: 15]. ويكره الحق أي: الموت فهو حق لكنا نكرهه، ويصلي على النبي بغير وضوء، وله في الأرض ولد وزوجة، وليس ذلك لله في السماء. فقال عمر قولته المشهورة: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. فلماذا تميز علي بهذه الميزة من العلم والفقه والحجة؟ لأنه تربى في حجر النبوة فاستقى من نبعها، وترعرع في أحضان العلوم الإسلامية منذ نعومة أظافره، ولم يعرف شيئا من معلومات الجاهلية، فلما تتفاعل عنده العلوم الإسلامية لا تلد إلا حقا. ثم يقول سبحانه ﴿ إذا.. ﴾ [العنكبوت: 48] يعني: لو حصل منك قراءة أو كتابة ﴿ لارتاب المبطلون ﴾ [العنكبوت: 48] أي: لكان لهم عذر ووجهة نظر في الارتياب، والارتياب لا يعني مجرد الشك، إنما شك باتهام أي: يتهمون رسول الله بأنه كان على علم بالقراءة والكتابة لذلك وصفهم بأنهم مبطلون في اتهامهم له صلى الله عليه وسلم.