تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم السبيل يسره

[عبس: 20] لا بد أن نيسر السبل للسالكين لأن معايش الناس وحركتهم تعتمد على الحركة في هذه الطرق. فقوله تعالى: ﴿ وتقطعون السبيل.. ﴾ [العنكبوت: 29] فكان من قوم لوط قطاع طرق كالذين يخرجون على الناس في أسفارهم وحركتهم، فيأخذون أموالهم وينهبون ما معهم، وإن تأبوا عليهم قتلوهم. وبعد أن قطعوا السبيل على الناس قطعوا السبيل على بقاء النوع. يقول سبحانه في حقهم: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر.. ﴾ [العنكبوت: 29] فكانوا لا يتورعون عن فعل القبيح وقوله فيجلسون في الطرقات يستهزئون بالمارة ويؤذونهم كالذين يجلسون الآن على المقاهي ويتسكعون في الطرق ويؤذون خلق الله، ويتجاهرون بالقبيح من القول والفعل، فلا يسلم من إيذائهم أحد. لذلك يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم آداب الطريق،

" فيقول لمن سأله: " وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال:غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام ".

وقد انتشر بين قوم لوط سوء الأخلاق، بحيث لا ينهى بعضهم بعضا، كما قال سبحانه عن اليهود أنهم:

كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه..

[المائدة: 79]. والنادي: مكان تجمع القوم، ومنه قوله تعالى:

فليدع ناديه

[العلق: 17] أي: مكان تجمع رؤوس القوم وكبارهم، كما نرى الآن: نادي كذا، ونادي كذا. والنادي وهو مكان عام يعد المرحلة الأخيرة لانضباط السلوك الذي يجب أن يكون في المجتمع، فأنت مثلا لك حجرة في بيتك خاصة بك، ولك فيها انضباط خاص بنفسك، وكذلك في صالة البيت لك انضباط أوسع، وفي الشارع لك انضباط أوسع. والانضباط يتناسب مع الواقع الذي تعيشه، فحين تكون مثلا بين أناس لا يعرفونك لا يكون انضباطك بنفس الدرجة التي تحرص عليها بين من تعرفهم كالموظف في مكتبه، والطالب في مدرسته. إذن: فهؤلاء القوم قطعوا السبيل في بقاء النوع، حيث أتوا غير مأتي وانحرفوا عن الفطرة السوية، وقطعوا السبيل المادي، فأخافوا الناس وروعوهم ونهبوا أموالهم، وأخذوهم من الطرق بغرض هذه الفعلة النكراء، ثم كانوا يتبجحون بأفعالهم هذه، ويجاهرون بها في أنديتهم وأماكن تجمعاتهم. فبماذا أجابه القوم؟ ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ﴾ [العنكبوت: 29] أي: من الصادقين في أنك مبلغ عن الله، فنحن من العاصين، وأرنا العذاب الذي تتوعدنا به، وقولهم ﴿ ائتنا بعذاب الله.. ﴾ [العنكبوت: 29] مع أن العذاب شيء مؤلم، ولا يطلب أحد إيلام نفسه، فهذا دليل على عدم فهمهم لهذا الكلام، وأنهم غير متأكدين من صدقه، وإلا لو وثقوا بصدقه ما طلبوا العذاب. وفي موضع آخر، حكى القرآن عنهم:

فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون

[النمل: 56]. إذن: حدث منهم موقفان وجوابان: الأول ﴿ ائتنا بعذاب الله.. ﴾ [العنكبوت: 29] فلما لم يجبهم إلى هذا الطلب الأحمق، وظل يتابع دعوته لهم، فلم ييأس منهم لجأوا إلى حيلة أخرى، فقالوا

أخرجوا آل لوط من قريتكم..

[النمل: 56] والعلة

إنهم أناس يتطهرون

[النمل: 56] لأن الطهر في نظر هؤلاء عيب، والاستقامة جريمة، وهذا دليل على فساد عقولهم، وفساد قياسهم في الحكم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال رب انصرني... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٤٥